الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 6
القرطبي • التفسير • ج6 ص45
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
وقال الأخفش: أي ولا يحقنكم. وقال أبو عبيدة والفراء: معنى" لا يجرمنكم" أي لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم، قال عليه السلام: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) وقد مضى القول في هذا. ونظير هذه الآية" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم"] البقرة: 194] وقد تقدم مستوفى «1». ويقال: فلان جريمة أهله أي كاسبهم، فالجريمة والجارم بمعنى الكاسب. وأجرم فلان أي اكتسب الإثم. ومنه قول الشاعر «2»:
جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا
معناه كاسب قوت، والصليب الودك «3»، وهذا هو الأصل في بناء ج ر م. قال ابن فارس: يقال جرم وأجرم، ولا جرم بمنزلة قولك: لا بد ولا محالة، وأصلها من جرم أي اكتسب، قال:
جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
وقال آخر:
يا أيها المشتكي عكلا «4» وما جرمت ... إلى القبائل من قتل وإبآس
ويقال: جرم يجرم جرما إذا قطع، قال الرماني علي بن عيسى: وهو الأصل، فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب، وجرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه. وقال الخليل:" لا جرم أن لهم النار" «5»] النحل: 62] لقد حق أن لهم العذاب. وقال الكسائي: جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد، أي اكتسب. وقرأ ابن مسعود" يجرمنكم" بضم الياء، والمعنى أيضا لا يكسبنكم، ولا يعرف البصريون الضم، وإنما يقولون: جرم لا غير. والشنآن البغض. وقرى بفتح النون وإسكانها، يقال: شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا
