الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 9
القرطبي • التفسير • ج9 ص105
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقولك: إن الله لغفور رحيم، وقوله:" إن في ذلك لذكرى «1» ". واللام في" ليوفينهم" هي التي يتلقى بها القسم، وتدخل على الفعل ويلزمها النون المشددة أو المخففة، ولما اجتمعت اللامان فصل بينهما ب" ما" و" ما" زائدة مؤكدة، وقال الفراء:" ما" بمعنى" من" كقوله:" وإن منكم لمن ليبطئن" [النساء: 72] أي وإن كلا لمن ليوفينهم، واللام في" ليوفينهم" للقسم، وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج، غير أن" ما" عند الزجاج زائدة وعند الفراء اسم بمعنى" من". وقيل: ليست بزائدة، بل هي اسم دخل عليها لام التأكيد، وهي خبر" إن" و" ليوفينهم" جواب القسم، التقدير: وإن كلا خلق ليوفينهم ربك أعمالهم. وقيل:" ما" بمعنى" من" كقوله:" فانكحوا «2» ما طاب لكم من النساء" [النساء: 3] أي من، وهذا كله هو قول الفراء بعينه. وأما من شدد" لما" وقرأ" وإن كلا لما" بالتشديد فيهما- وهو حمزة ومن وافقه- فقيل: إنه لحن، حكي عن محمد بن زيد أن هذا لا يجوز، ولا يقال: إن زيدا إلا لأضربنه، ولا لما لضربته. وقال الكسائي: الله أعلم بهذه القراءة، وما أعرف لها وجها. وقال هو وأبو علي الفارسي: التشديد فيهما مشكل. قال النحاس وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول- أن أصلها" لمن ما" فقلبت النون ميما، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى فصارت" لما" و" ما" على هذا القول بمعنى" من" تقديره: وإن كلا لمن الذين، كقولهم:
وإني لما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره
وزيف الزجاج هذا القول، وقال:" من" اسم على حرفين فلا يجوز حذفه. الثاني- أن الأصل. لمن ما، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات، والتقدير: وإن كلا لمن خلق ليوفينهم. وقيل:" لما" مصدر" لم" وجاءت بغير تنوين حملا للوصل على الوقف، فهي على هذا كقوله:" وتأكلون التراث أكلا لما" «3» [الفجر: 19] أي جامعا للمال المأكول، فالتقدير على هذا: وإن كلا ليوفينهم ربك أعمالهم توفية لما، أي جامعة لأعمالهم جمعا، فهو كقولك: قياما لأقومن. وقد قرأ الزهري" لما" بالتشديد والتنوين على هذا المعنى. الثالث-
