الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 11
القرطبي • التفسير • ج11 ص17
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) [فيه مسألتان]: الاولى قوله تعالى:" قال له موسى هل أتبعك" هذا سؤال الملاطف، والمخاطب المستنزل «1» المبالغ في حسن الأدب، المعنى: هل يتفق لك ويخف عليك؟ وهذا كما في الحديث: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ وعلى بعض التأويلات يجئ كذلك قوله تعالى:" هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء" [المائدة: 112] حسب ما تقدم بيانه في" المائدة" «2». الثانية- في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه، فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضله الله، فالخضر إن كان وليا فموسى أفضل منه، لأنه نبي والنبي أفضل من الولي، وإن كان نبيا فموسى فضله بالرسالة. والله أعلم. و" رشدا" مفعول ثان ب"- تعلمن". (قال) الخضر: (إنك لن تستطيع معي صبرا) أي إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي، لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب. وهي معنى قوله: (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) والأنبياء لا يقرون على منكر، لا يجوز لهم التقرير. أي لا يسعك السكوت جريا على عادتك وحكمك. وانتصب" خبرا" على التمييز المنقول عن الفاعل. وقيل: على المصدر الملاقى في المعنى، لأن قوله:" لم تحط". معناه لم تخبره، فكأنه قال: لم تخبره خبرا، وإليه أشار مجاهد. والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وبما يختبر منها. قوله تعالى: (قال ستجدني إن شاء الله صابرا) أي سأصبر بمشيئة الله. (ولا أعصي لك أمرا) أي قد ألزمت نفسي طاعتك وقد اختلف في الاستثناء، هل هو يشمل قوله:" ولا أعصي لك أمرا" أم لا؟ فقيل: يشمله كقوله:" والذاكرين الله كثيرا والذاكرات" «3» [الأحزاب: 35]. وقيل: استثنى في الصبر فصبر، وما استثنى في قوله:" ولا أعصي لك أمرا" فاعترض
