الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 11
القرطبي • التفسير • ج11 ص212
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
بمثل ما جئت به ليتبين للناس أن ما أتيت به ليس من عند الله. (فاجعل بيننا وبينك موعدا) 20: 58 هو مصدر، أي وعدا. وقيل: الموعد اسم لمكان الوعد، كما قال تعالى:" وإن جهنم لموعدهم أجمعين" «1» [الحجر: 43] فالموعد ها هنا مكان. وقيل: الموعد اسم لزمان الوعد، كقوله تعالى:" إن موعدهم الصبح" «2» [هود: 81] فالمعنى: اجعل لنا يوما معلوما، أو مكانا معروفا. قال القشيري: والأظهر أنه مصدر ولهذا قال: (لا نخلفه) 20: 58 أي لا نخلف ذلك الوعد، والإخلاف أن يعد شيئا ولا ينجزه. وقال الجوهري: والميعاد المواعدة والوقت والموضع وكذلك الموعد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج:" لا نخلفه" بالجزم جوابا لقوله" اجعل". ومن رفع فهو نعت ل" موعد" والتقدير: موعدا غير مخلف. (مكانا سوى) 20: 58 قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة" سوى" بضم السين. الباقون بكسرها، وهما لغتان مثل عدا وعدا وطوى وطوى. واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين لأنها اللغة العالية الفصيحة. وقال النحاس: والكسر أعرف وأشهر. وكلهم نونوا الواو، وقد روي عن الحسن، واختلف عنه ضم السين بغير تنوين. واختلف في معناه فقيل: سوى هذا المكان، قاله الكلبي. وقيل: مكانا مستويا يتبين للناس ما بيناه فيه، قاله ابن زيد. ابن عباس: نصفا. مجاهد: منصفا، وعنه أيضا وقتادة عدلا بيننا بينك. وقال النحاس: وأهل التفسير على أن معنى" سوى" نصف وعدل وهو قول حسن، قال سيبويه يقال: سوى وسوى أي عدل، يعني مكانا عدل، بين المكانين فيه النصفة، وأصله من قولك: جلس في سواء الدار بالمد أي في وسطها، ووسط كل شي أعدله، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:" وكذلك جعلناكم أمة وسطا" «3» [البقرة: 143] أي عدلا، وقال زهير:
أرونا خطة لا ضيم فيها ... يسوي بيننا فيها السواء
وقال أبو عبيدة والقتبي: وسطا بين الفريقين، وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفي:
وإن أبانا كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
والفزر: سعد بن زيد مناة بن تميم. وقال الأخفش:" سوى" إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات: إن ضممت السين أو كسرت قصرت فيهما جميعا. وإن فتحت مددت، تقول: مكان سوى وسوى وسواء، أي عدل ووسط فيما بين الفريقين. قال موسى بن جابر:
