الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 12
القرطبي • التفسير • ج12 ص121
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم) أي من بعد هلاك قوم نوح. (قرنا آخرين) قيل: هم قوم عاد. (فأرسلنا فيهم رسولا منهم) يعني هودا، لأنه ما كانت أمة أنشئت في إثر قوم نوح إلا عاد. وقيل: هم قوم ثمود" فأرسلنا فيهم رسولا" يعني صالحا. قالوا: والدليل عليه قوله تعالى آخر الآية:" فأخذتهم الصيحة" [المؤمنون: 41]، نظيرها:" وأخذ الذين ظلموا الصيحة «1» " [هود: 67]. قلت: وممن أخذ بالصيحة أيضا أصحاب مدين قوم شعيب، فلا يبعد أن يكونوا هم، والله أعلم." منهم" أي من عشيرتهم، يعرفون مولده ومنشؤه ليكون سكونهم إلى قوله أكثر.
[سورة المؤمنون (23): الآيات 33 الى 35]
وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35)
قوله تعالى: (وقال الملأ) 90 أي الأشراف والقادة والرؤساء. (من قومه الذين كفروا وكذبوا «2» بلقاء الآخرة) يريد بالبعث والحساب. (وأترفناهم في الحياة الدنيا) أي وسعنا عليهم نعم الدنيا حتى بطروا وصاروا يؤتون بالترفة، وهي مثل التحفة. (ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون) فلا فضل له عليكم لأنه محتاج إلى الطعام والشراب كأنتم. وزعم الفراء أن معنى:" ويشرب مما تشربون" على حذف من، أي مما تشربون منه، وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى حذف البتة، لأن" ما" إذا كان مصدرا لم يحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت المفعول ولم يحتج إلى إضمار من. (ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون) يريد لمغبونون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه
