الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 12
القرطبي • التفسير • ج12 ص4
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
[سورة الحج (22): آية 2]
يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2)
قوله تعالى: (يوم ترونها)
الهاء في" ترونها
" عائدة عند الجمهور على الزلزلة، ويقوي هذا وقوله عز وجل." تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها
". والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا. وقالت فرقة: الزلزلة في يوم القيامة، واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه، وفيه:" أتدرون أي يوم ذلك ... " الحديث. وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري. قوله:" تذهل
" أي تشتغل، قاله قطرب. وأنشد:
ضربا «1» يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
وقيل: تنسى. وقيل تلهو. وقيل: تسلو، والمعنى متقارب." عما أرضعت
" قال المبرد:" ما" بمعنى المصدر، أي تذهل عن الإرضاع. قال: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع. إلا أن يقال: من ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول. ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك. ويقال: هذا كما قال الله عز وجل:" يوما يجعل الولدان شيبا" «2» [المزمل: 17]. وقيل: تكون مع النفخة الأولى. وقيل: تكون مع قيام الساعة، حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية. ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى:" مستهم البأساء والضراء وزلزلوا" «3» [البقرة: 214]. وكما قال عليه السلام:" اللهم اهزمهم وزلزلهم". وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح. وتسمية الزلزلة ب" شيء" إما لأنها
