الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 15
القرطبي • التفسير • ج15 ص87
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
وإن كانت الغول لا تعرف، ولكن لما تصور من قبحها في النفوس. وقد قال الله تعالى:" شياطين الإنس والجن" [الأنعام: 112] فمردة الإنس شياطين مرئية. وفي الحديث الصحيح" ولكأن نخلها رءوس الشياطين" وقد ادعى كثير من العرب رؤية الشياطين والغيلان. وقال الزجاج والفراء: الشياطين حيات لها رءوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات وأخبثها وأخفها جسما. قال الراجز وقد شبه المرأة بحية لها عرف:
عنجرد تحلف حين أحلف ... وكمثل شيطان الحماط أعرف
الواحدة حماطة والأعرف الذي له عف. وقال الشاعر يصف ناقته:
تلاعب مثنى حضرمي كأنه ... وتعمج شيطا ن بذي خروع قفر
التعمج: الاعوجاج في السير. وسهم عموج: يتلوى في ذهابه. وتعمجت الحية: إذا تلوت في سيرها. وقال يصف زمام الناقة «1»:
تلاعب مثنى حضر مي كأنه ... وتعمج شيطان بذي خروع قفر
وقيل: إنما شبه ذلك بنبت قبيح في اليمن يقال له الأستن والشيطان. قال النحاس: وليس ذلك معروفا عند العرب. الزمخشري: هو شجر خشن منتن مر منكر الصورة يسمى ثمره رءوس الشياطين. النحاس: وقيل: الشياطين ضرب من الحيات قباح." فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون" فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة. وقال في" الغاشية":" ليس لهم طعام إلا من ضريع" [الغاشية: 6] وسيأتي." ثم إن لهم عليها" أي بعد الأكل من الشجرة" لشوبا من حميم" الشوب الخلط، والشب والشوب لغتان كالفقر والفقر والفتح أشهر. قال الفراء: شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبا وشيابة. فأخبر أنه يشاب لهم. والحميم: الماء الحار ليكون أشنع، قال الله تعالى:" وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم" [محمد: 15]. السدي: يشاب لهم الحميم بغساق أعينهم وصديد من قيحهم ودما يهم. وقيل: يمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة الحميم، تغليظا لعذابهم وتجديدا
