الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 16
القرطبي • التفسير • ج16 ص123
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
الثانية- قوله تعالى:" إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" يدل على معنيين: أحدهما- أن الشفاعة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، وأن التقيد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. والثاني- أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها. ونحوه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم] إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع [. وقد مضى في" البقرة" «1».
[سورة الزخرف (43): آية
87]</span>
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87)
قوله تعالى:" ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" أي لأقروا بأن الله خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا." فأنى يؤفكون" أي كيف ينقلبون عن عبادته وينصرفون عنها حتى أشركوا به غيره رجاء شفاعتهم له. يقال: أفكه يأفكه أفكا، أي قلبه وصرفه عن الشيء. ومنه قوله تعالى:" قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا" «2» [الأحقاف: 22]. وقيل: أي ولين سألت الملائكة وعيسى" من خلقهم" لقالوا الله." فأنى يؤفكون" أي فأنى يؤفك هؤلاء في ادعائهم إياهم آلهة.
[سورة الزخرف (43): آية 88]
وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88)
في" قيله" ثلاث قراءات: النصب، والجر، والرفع. فأما الجر فهي قراءة عاصم وحمزة. وبقية السبعة بالنصب. وأما الرفع فهي قراءة الأعرج وقتادة وابن هرمز ومسلم بن جندب. فمن جر حمله على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله. ومن نصب فعلى معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قيله، وهذا اختيار الزجاج. وقال الفراء والأخفش: يجوز أن يكون" قيله" عطفا على قوله" أنا لا نسمع سرهم ونجواهم" «3» [الزخرف: 80]. قال ابن الأنباري: سألت أبا العباس محمد ابن يزيد المبرد بأي شيء تنصب القيل؟ فقال: أنصبه على" وعنده علم الساعة ويعلم قيله". فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على" ترجعون"، ولا على" يعلمون". ويحسن الوقف على" يكتبون" «4». وأجاز الفراء والأخفش أن ينصب القيل على معنى: لا نسمع سرهم ونجواهم
