الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 17
القرطبي • التفسير • ج17 ص160
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها، كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره ومنكره: ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن صرورة «1» فحججت بك أفتنكر هذا!؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا؟! والتكرير حسن في مثل هذا. قال:
كم نعمة كانت لكم كم كم وكم
وقال آخر:
لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة ... إياك من دمه إياك إياك
وقال آخر:
لا تقطعن الصديق ما طرفت ... عيناك من قول كاشح أشر
ولا تملن من زيارته زره ... وزره وزر وزر وزر
وقال الحسين بن الفضل: التكرير طردا للغفلة، وتأكيدا للحجة.
[سورة الرحمن (55): الآيات 14 الى
18]</span>
خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما تكذبان (18)
قوله تعالى: (خلق الإنسان) لما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيهما من الدلالات على وحدانيته وقدرته ذكر خلق العالم الصغير فقال: (خلق الإنسان) باتفاق من أهل التأويل يعني آدم. (من صلصال كالفخار) الصلصال الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، شبهه بالفخار الذي طبخ. وقيل: هو طين خلط برمل. وقيل: هو الطين المنتن من صل اللحم وأصل إذا أنتن، وقد مضى في (الحجر) «2». وقال هنا: (من صلصال كالفخار) وقال هناك: (من صلصال من حمإ مسنون). وقال:
