الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 18
القرطبي • التفسير • ج18 ص48
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
[سورة الحشر (59): آية 24]
هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (24)
قوله تعالى: (هو الله الخالق البارئ المصور) الخالق هنا المقدر. والبارئ المنشئ المخترع. والمصور مصور الصور ومركبها على هيئات مختلفة. فالتصوير مرتب على الخلق والبراية «1» وتابع لهما. ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل. وخلق الله الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق: جعله علقة، ثم مضغة، ثم جعله صورة وهو التشكيل الذي يكون به صورة وهيئة يعرف بها ويتميز عن غيره بسمتها. فتبارك الله أحسن الخالقين. وقال النابغة:
الخالق البارئ المصور في ال ... أرحام ماء حتى يصير دما
وقد جعل بعض الناس الخلق بمعنى التصوير، وليس كذلك، وإنما التصوير آخرا والتقدير أولا والبراية بينهما. ومنه قول الحق: وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير «2» [المائدة: 110]. وقال زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري
يقول: تقدم ما تقدر ثم تفريه، أي تمضيه على وفق تقديرك، وغيرك يقدر ما لا يتم له ولا يقع فيه مراده، إما لقصوره في تصور تقديره أو لعجزه عن تمام مراده. وقد أتينا على هذا كله في" الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" والحمد لله. وعن حاطب ابن أبي بلتعة أنه قرأ البارئ المصور بفتح الواو ونصب الراء، أي الذي يبرأ المصور، أي يميز ما يصوره بتفاوت الهيئات. ذكره الزمخشري. (له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) تقدم الكلام فيه «3». وعن أبي هريرة قال: سألت خليلي أبا القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم فقال: (يا أبا هريرة،
