الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 19
القرطبي • التفسير • ج19 ص109
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يتجلى ربنا عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه، فيخرون له سجدا، فيقول ارفعوا رءوسكم فليس هذا بيوم عبادة [قال الثعلبي: وقول مجاهد إنها بمعنى تنتظر الثواب من ربها ولا يراه شي من خلقه، فتأويل مدخول، لأن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا نظرته، كما قال تعالى: هل ينظرون إلا الساعة [الزخرف: 66]، هل ينظرون إلا تأويله [الأعراف: 53]، وما ينظرون إلا صيحة واحدة [يس: 49] وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقرونا بذكر إلى، وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان. وقال الأزهري: إن قول مجاهد تنتظر ثواب ربها خطأ، لأنه لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذلك تقوله العرب، لأنهم يقولون نظرت إليه: إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا نظرته، قال:
فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب
لما أراد الانتظار قال تنظراني، ولم يقل تنظران إلي، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه، قال:
نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لقفال «1»
وقال آخر:
نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولي نظر «2» لولا التحرج عارم
وقال آخر:
إني إليك لما وعدت لناظر ... نظر الفقير إلى الغني الموسر
أي إني أنظر إليك بذل، لأن نظر الذل والخضوع أرق لقلب المسئول، فأما ما استدلوا به من قوله تعالى: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [الانعام: 103] فإنما ذلك
