الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 19
القرطبي • التفسير • ج19 ص65
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
ابن عمر بن الخطاب عن مالك بن أنس في قوله تعالى: وثيابك فطهر أي لا تلبسها على غدرة، ومنه قول أبي كبشة «1»:
ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم بيض المسافر غران
يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم من الدناءات، ويعني بغرة وجوههم تنزيهم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة أو كليهما، قاله ابن العربي. وقال سفيان بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومنه قول الشاعر:
أو ذم حجا في ثياب دسم
أي قد دنسها بالمعاصي. وقال النابغة:
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب «2»
ومن ذهب إلى القول الثامن قال: إن المراد بها الثياب الملبوسات، فلهم في تأويله أربعة أوجه: أحدهما- معناه وثيابك فأنق، ومنه قول امرئ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية
الثاني- وثيابك فشمر وقصر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة، فإذا انجرت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها، قاله الزجاج وطاوس. الثالث- وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع- لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال لتكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طاهر. ابن العربي وذكر بعض ما ذكرناه: ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الطاهرة فهي تتناول معنيين: أحدهما- تقصير الأذيال، لأنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخيا: ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى.
