شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرسالة

الإمام الشافعي • أصول الفقه • ج1 ص73

تحقيق: أحمد شاكر — مكتبه الحلبي، مصر

قال: "الشافعي": وضع الله رسوله من دينه وفرضه وكتابه، الموضع الذي أبان - جل ثناؤه - أنه جعله علما لدينه، بما افترض من طاعته، وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به.

فقال تبارك وتعالى: " فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا: ثلاثة انتهوا خيرا لكم. إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد (171) " [النساء] .

[ص: 75]

وقال: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه (62) " [النور] .

فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذي ما سواه تبع له: الإيمان بالله ورسوله.

فلو آمن عبد به، ولم يؤمن برسوله: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدا، حتى يؤمن برسوله معه.

وهكذا سن رسول الله في كل من امتحنه للإيمان.

أخبرنا "مالك" عن "هلال بن أسامة" عن "عطاء بن يسار" عن "عمر بن الحكم" قال: " أتيت رسول الله بجارية، فقلت: يا رسول الله، علي رقبة، أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله: أين الله؟ فقالت: في السماء. فقال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأعتقها " (1) .

[ص: 76]

قال "الشافعي": وهو"معاوية بن الحكم"، وكذلك رواه غير مالك، وأظن مالك (1) لم يحفظ اسمه.

قال "الشافعي: " ففرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله.

فقال في كتابه: " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم. إنك أنت العزيز الحكيم (129) " [البقرة] .

وقال جل ثناؤه: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا، ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) " [البقرة] .

[ص: 77]

وقال: " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) " [آل عمران] .

وقال جل ثناؤه: " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) " [الجمعة] .

وقال: " واذكروا نعمة الله عليكم، وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به (231) " [البقرة] .

وقال: " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما (113) " [النساء] .

وقال: " واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات

[ص: 78]

الله والحكمة. إن الله كان لطيفا خبيرا (34) " [الأحزاب] .

فذكر الله الكتاب، وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله.

وهذا يشبه ما قال، والله أعلم.

لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز - والله أعلم - أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله.

وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: فرض، إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله.

لما وصفنا، من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرونا بالإيمان به.

[ص: 79]

وسنة رسول الله مبينة عن الله معنى ما أراد، دليلا على خاصه وعامه، ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فاتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله.

الصفحة السابقة الصفحة التالية