الروح
ابن قيم الجوزية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص164
دار الكتب العلمية - بيروت
أستنطقهم وأشهدهم قال الجرجانى واحتجوا بقوله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء} والأجساد قد بليت وضلت في الأرض والأرواح ترزق وتفرح وهي التي تلذ وتألم وتفرح وتحزن وتعرف وتنكر وبيان ذلك في الأحلام موجود أن الإنسان يصبح وأثر لذة الفرح وألم الحزن باق في نفسه مما تلاقى الروح دون الجسد قال وحاصل الفائدة في هذا الفصل أنه سبحانه قد أثبت الحجة على كل النفوس ممن يبلغ وممن لم يبلغ بالميثاق الذى أخذه عليهم وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي العالم وبالرسل المنفذة إليهم مبشرين ومنذرين وبالمواعظ بالمثلات المنقولة إليهم أخبارها غير أنه عز وجل لا يطالب أحدا منهم من الطاعة إلا بقدر ما لزمه من الحجة وركب فيهم من القدرة وآتاهم من الأدلة وبين سبحانه ما هو عامل في البالغين الذين أدركوا الأمر والنهي وحجب عنا علم ما قدره في غير البالغين إلا أنا نعلم أنه عدل لا يجوز في حكمه وحكيم لا تفاوت في صنعه وقادر لا يسأل عما يفعل له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين
فصل ونازع هؤلاء غيرهم في كون هذا معنى الآية وقالوا معنى قوله
{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} أي إخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نطفا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم بما أظهر لهم من آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربه ما يشهد على أنه بارئه ونافذ الحكم فيه فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته كما قال في غير هذا الموضع {شاهدين على أنفسهم بالكفر} يريدهم بمنزلة الشاهدين وإن لم يقولوا نحن كفرة كما تقول كما شهدت جوارحي بقولك تريد قد عرفته فكأن جوارحى لو استشهدت وفي وسعها أن تنطق لشهدت ومن هذا إعلامه وتبيينه أيضا شهد الله أن لا إله إلا هو يريد أعلم وبين فأشه ذلك شهادة من شهد عند الحكام وغيرهم هذا كلام ابن الأنبارى
وزاد الجرجاني بيانا لهذا القول فقال حاكما عن أصحابه أن الله لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن وما لم يكن بعد مما هو كائن كالكائن إذ علمه بكونه مانع من غير كونه شائع في مجاز العربية أن يوضع ما هو منتظر بعد مما لم يقع بعد موقع الواقع لسبق علمه بوقوعه كما قال عز وجل في مواضع من القرآن كقوله تعالى {ونادى أصحاب النار} {ونادى أصحاب الجنة} {ونادى أصحاب الأعراف} قال فيكون تأويل قوله {وإذ أخذ ربك} وإذ يأخذ ربك وكذلك قوله
#