الروح
ابن قيم الجوزية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص205
دار الكتب العلمية - بيروت
والثاني حق إلا أنه يفيدكم شيئا لأن الأمر الكلي المشترك بين الأشخاص الإنسانية هو الإنسانية لا العلم بها والإنسانية لا وجود لها في الخارج كلية والوجود في الخراج للمعينات فقط والعلم تابع للمعلوم فكما أن المعلوم معين فالعلم به معين لكنه صورة منطبقة على أفراد كثيرة فليس في الذهن ولا في الخارج صورة غير منقسمة البتة وكم قد غلط في هذا الموضع طوائف من العقلاء لا يحصيهم إلا الله تعالى فالصورة الكلية التي يثبتونها ويزعمون أنها حالة في النفس فهي صورة شخصية موصوفة بعوارض شخصية فهب أن هذه الصورة العقلية حالة في جوهر ليس بجسم ولا جسماني فإنها غير مجردة عن العوارض فإن قلتم مرادنا بكونها مجردة النظر إليها من حيث هي هي مع قطع النظر عن تلك العوارض
قيل لكم فلم لا يجوز أن تكون الصورة الحالة في المحل الجسماني منقسمة وإنما تكون مجردة إذا نظرنا إليها من حيث هي هي بقطع النظر عن عوارضها
فصل قولكم في الرابع أن العقلية تقوى على أفعاله غير متناهية ولا شيء
من القوى الجسمانية كذلك فجوابه أنا لا نسلم أنها تقوى على أفعال غير متناهية
وقولكم أنها تقوى على إدراكات لا تتناهي هي والإدراكات أفعال مقدمتان كاذبتان فإن إدراكاتها ولو بلغت ما بلغت فهي متناهية فلو كان لها بكل نفس ألف ألف إدراك لتناهت إدراكاتها فهي قطعا تنتهي في الإدراكات والمعارف إلى حد لا يمكنها أن تزيد عليه شيئا كما قال تعالى {وفوق كل ذي علم عليم} إلى أن ينتهي العلم إلى من هو بكل شيء عليم فهو الله الذي لا إله إلا هو وحده وذلك من خصائصه التي لا يشاركه فيها سواه
فإن قلتم لو انتهي إدراكها إلى حد لا يمكنها المزيد عليه لزم انقلاب الشيء من الإمكان الذاتي قلنا فهذا بعينه لو صح دل على أن القوة الجسمانية تقوى على أفعال غير متناهية وذلك يوجب سقوط الشبهة وبطلانها
وأيضا فإن قوة التخيل والتفكر والتذكر تقوى على استحضار المخيلات والمذكرات إلى غير نهاية مع أنها عندكم قوة جسمانية
فإن قلتم لا نسلم أنها تقوى على مالا يتناهي قيل لكم هكذا يقول خصومكم في القوة العاقلة سواء
وأما كذب المقدمة الثانية فإن الإدراك ليس بفعل فلا يلزم من تناهي فعلها تناهي إدراكها وقد صرحتم بأن الجوهر العقلي قابل لصورة المعلوم لا أنها فاعل لها والشيء الواحد لا يكون
#