تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الحج: الآيات 52-57
يخبر تعالى بحكمته البالغة، واختياره لعباده، وأن الله ما أرسل قبل محمد { من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى } أي: قرأ قراءته، التي يذكر بها الناس، ويأمرهم وينهاهم، { ألقى الشيطان في أمنيته } أي: في قراءته، من طرقه ومكايده، ما هو مناقض لتلك القراءة، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه، أو يختلط بغيره. ولكن هذا الإلقاء من الشيطان، غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض يعرض، ثم يزول، وللعوارض أحكام، ولهذا قال: { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي: يزيله ويذهبه ويبطله، ويبين أنه ليس من آياته، و { يحكم الله آياته } أي: يتقنها، ويحررها، ويحفظها، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان، { والله عليم } أي: كامل القوة والاقتدار، فبكمال قوته، يحفظ وحيه، ويزيل ما تلقيه الشياطين، { حكيم } يضع الأشياء مواضعها، فمن كمال حكمته، مكن الشياطين من الإلقاء المذكور، ليحصل ما ذكره بقوله: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } لطائفتين من الناس، لا يبالي الله بهم، وهم الذين { للذين في قلوبهم مرض } أي: ضعف وعدم إيمان تام وتصديق جازم، فيؤثر في قلوبهم أدنى شبهة تطرأ عليها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، داخلهم الريب والشك، فصار فتنة لهم. { والقاسية قلوبهم } أي: الغليظة، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، جعلوه حجة لهم على باطلهم، وجادلوا به وشاقوا الله ورسوله، ولهذا قال: { وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } أي: مشاقة لله، ومعاندة للحق، ومخالفة له، بعيد من الصواب، فما يلقيه الشيطان، يكون فتنة لهؤلاء الطائفتين، فيظهر به ما في قلوبهم، من الخبث الكامن فيها، وأما الطائفة الثالثة، فإنه يكون رحمة في حقها، وهم المذكورون بقوله: { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك } لأن الله منحهم من العلم، ما به يعرفون الحق من الباطل، والرشد من الغي، فيميزون بين الأمرين، الحق المستقر، الذي يحكمه الله، والباطل العارض الذي ينسخه الله، بما على كل منهما من الشواهد، وليعلموا أن الله حكيم، يقيض بعض أنواع الابتلاء، ليظهر بذلك كمائن النفوس الخيرة والشريرة، { فيؤمنوا به } بسبب ذلك، ويزداد إيمانهم عند دفع المعارض والشبه. { فتخبت له قلوبهم } أي: تخشع وتخضع، وتسلم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم، { وإن الله لهاد الذين آمنوا } بسبب إيمانهم { إلى صراط مستقيم } علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده. وهذه الآيات، فيها بيان أن للرسول صلى الله عليه وسلم أسوة بإخوانه المرسلين، لما وقع منه عند قراءته صلى الله عليه وسلم:
والنجم
[النجم: 1] فلما بلغ
أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى
[النجم: 19-20] ألقى الشيطان في قراءته: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى " ، فحصل بذلك للرسول حزن وللناس فتنة، كما ذكر الله، فأنزل الله هذه الآيات. { ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم * الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم * والذين كفروا وكذبوا بآيتنا فأولئك لهم عذاب مهين }. يخبر تعالى عن حالة الكفار، وأنهم لا يزالون في شك مما جئتهم به يا محمد، لعنادهم، وإعراضهم، وأنهم لا يبرحون مستمرين على هذه الحال { حتى تأتيهم الساعة بغتة } أي: مفاجأة { بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } أي: لا خير فيه، وهو يوم القيامة، فإذا جاءتهم الساعة، أو أتاهم ذلك اليوم، علم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، وندموا حيث لا ينفعهم الندم، وأبلسوا وأيسوا من كل خير، وودوا لو آمنوا بالرسول واتخذوا معه سبيلا، ففي هذا تحذيرهم من إقامتهم على مريتهم وفريتهم. { الملك يومئذ } أي: يوم القيامة { لله } تعالى، لا لغيره، { يحكم بينهم } بحكمه العدل، وقضائه الفصل، { فالذين آمنوا } بالله ورسله، وما جاءوا به { وعملوا الصالحات } ليصدقوا بذلك إيمانهم { في جنات النعيم } نعيم القلب والروح والبدن، مما لا يصفه الواصفون، ولا تدركه العقول. { والذين كفروا } بالله ورسله وكذبوا بآياته الهادية للحق والصواب فأعرضوا عنها، أو عاندوها، { فأولئك لهم عذاب مهين } لهم، من شدته، وألمه، وبلوغه للأفئدة كما استهانوا برسله وآياته، أهانهم الله بالعذاب.
