شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الشعراء: الآيات 1-9

26 - سورة الشعراء

يشير الباري تعالى إشارة تدل على التعظيم لآيات الكتاب المبين البين الواضح، الدال على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، بحيث لا يبقى عند الناظر فيه شك ولا شبهة فيما أخبر به أو حكم به، لوضوحه ودلالته على أشرف المعاني، وارتباط الأحكام بحكمها، وتعليقها بمناسبها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينذر به الناس، ويهدي به الصراط المستقيم، فيهتدي بذلك عباد الله المتقون، ويعرض عنه من كتب عليه الشقاء، فكان يحزن حزنا شديدا على عدم إيمانهم، حرصا منه على الخير، ونصحا لهم. فلهذا قال تعالى عنه: { لعلك باخع نفسك } أي: مهلكها وشاق عليها، { ألا يكونوا مؤمنين } أي: فلا تفعل، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الهداية بيد الله، وقد أديت ما عليك من التبليغ، وليس فوق هذا القرآن المبين آية حتى ننزلها ليؤمنوا [بها]، فإنه كاف شاف، لمن يريد الهداية، ولهذا قال: { إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية }. أي: من آيات الاقتراح، { فظلت أعناقهم } أي: أعناق المكذبين { لها خاضعين } ولكن لا حاجة إلى ذلك، ولا مصلحة فيه، فإنه إذ ذاك الوقت، يكون الإيمان غير نافع، وإنما الإيمان النافع، الإيمان بالغيب، كما قال تعالى:

هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ءايات ربك يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمنها

الآية [الأنعام: 158]. { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث } يأمرهم وينهاهم، ويذكرهم ما ينفعهم ويضرهم. { إلا كانوا عنه معرضين } بقلوبهم وأبدانهم، هذا إعراضهم عن الذكر المحدث، الذي جرت العادة، أنه يكون موقعه أبلغ من غيره، فكيف بإعراضهم عن غيره، وهذا، لأنهم لا خير فيهم، ولا تنجع فيهم المواعظ، ولهذا قال: { فقد كذبوا }. أي: بالحق، وصار التكذيب لهم سجية، لا تتغير ولا تتبدل، { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } أي: سيقع بهم العذاب، ويحل بهم ما كذبوا به، فإنهم قد حقت عليهم كلمة العذاب. قال الله منبها على التفكر الذي ينفع صاحبه: { يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } من جميع أصناف النباتات، حسنة المنظر، كريمة في نفعها. { إن في ذلك لآية } على إحياء الله الموتى بعد موتهم، كما أحيا الأرض بعد موتها { وما كان أكثرهم مؤمنين } كما قال تعالى:

ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين

[يوسف: 103]. { وإن ربك لهو العزيز } الذي قد قهر كل مخلوق، ودان له العالم العلوي والسفلي، { الرحيم } الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصل جوده إلى كل حي، العزيز الذي أهلك الأشقياء بأنواع العقوبات، الرحيم بالسعداء، حيث أنجاهم من كل شر وبلاء.

الصفحة السابقة الصفحة التالية