شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الشعراء: الآيات 10-68

فلما اجتمعوا للموعد، هم وموسى، وأهل مصر، وعظهم موسى وذكرهم، وقال:

ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى

[طه: 61] فتنازعوا وتخاصموا، ثم شجعهم فرعون، وشجع بعضهم بعضا. ف { قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون } أي: ألقوا كل ما في خواطركم إلقاؤه، ولم يقيده بشيء دون شيء، لجزمه ببطلان ما جاؤوا به من معارضة الحق. { فألقوا حبالهم وعصيهم } فإذا هي حيات تسعى، وسحروا بذلك أعين الناس، { وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } فاستعانوا بعزة عبد ضعيف، عاجز من كل وجه، إلا أنه قد تجبر، وحصل له صورة ملك وجنود، فغرتهم تلك الأبهة، ولم تنفذ بصائرهم إلى حقيقة الأمر، أو أن هذا قسم منهم بعزة فرعون، والمقسم عليه أنهم غالبون. { فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف } تبتلع وتأخذ { ما يأفكون } فالتفت جميع ما ألقوا من الحبال والعصي، لأنها إفك وكذب وزور، وذلك كله باطل، لا يقوم للحق ولا يقاومه. فلما رأى السحرة هذه الآية العظيمة، تيقنوا - لعلمهم - أن هذا ليس بسحر، وإنما هو آية من آيات الله، ومعجزة تنبئ بصدق موسى، وصحة ما جاء به. { فألقي السحرة ساجدين } لربهم. { قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون }. وانقمع الباطل في ذلك المجمع، وأقر رؤساؤه ببطلانه، ووضح الحق وظهر، حتى رأى ذلك الناظرون بأبصارهم، ولكن أبى فرعون إلا عتوا وضلالا، وتماديا في غيه وعنادا، فقال للسحرة: { آمنتم له قبل أن آذن لكم } يتعجب، ويعجب قومه من جراءتهم عليه، وإقدامهم على الإيمان من غير إذنه ومؤامرته. { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } هذا، وهو الذي جمع السحرة وملأه، الذين أشاروا عليه بجمعهم من مدائنهم، وقد علموا أنهم ما اجتمعوا بموسى ولا رأوه قبل ذلك، وأنهم جاؤوا من السحر بما يحير الناظرين ويهيلهم، ومع ذلك، فراج عليهم هذا القول، الذي هم بأنفسهم وقفوا على بطلانه، فلا يستنكر على أهل هذه العقول، أن لا يؤمنوا بالحق الواضح والآيات الباهرة، لأنهم لو قال لهم فرعون عن أي شيء كان، إنه على خلاف حقيقته، صدقوه. ثم توعد السحرة فقال: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، كما يفعل بالمفسد في الأرض، { ولأصلبنكم أجمعين } لتختزوا، وتذلوا. فقال السحرة - حين وجدوا حلاوة الإيمان وذاقوا لذته -: { لا ضير } أي: لا نبالي بما توعدتنا به { إنآ إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانآ } من الكفر والسحر وغيرهما { أن كنآ أول المؤمنين } بموسى، من هؤلاء الجنود، فثبتهم الله وصبرهم.

فيحتمل أن فرعون فعل بهم ما توعدهم به، لسلطانه، واقتداره إذ ذاك، ويحتمل أن الله منعه منهم، ثم لم يزل فرعون وقومه مستمرين على كفرهم، يأتيهم موسى بالآيات البينات، وكلما جاءتهم آية، وبلغت منهم كل مبلغ، وعدوا موسى وعاهدوه، لئن كشف الله عنهم، ليؤمنن به، وليرسلن معه بني إسرائيل، فيكشفه الله، ثم ينكثون، فلما يئس موسى من إيمانهم، وحقت عليهم كلمة العذاب، وآن لبني إسرائيل أن ينجيهم من أسرهم، ويمكن لهم في الأرض، أوحى الله إلى موسى: { أن أسر بعبادي } أي: اخرج ببني إسرائيل أول الليل، ليتمادوا ويتمهلوا في ذهابهم. { إنكم متبعون } أي: سيتبعكم فرعون وجنوده. ووقع كما أخبر، فإنهم لما أصبحوا، وإذا بنو إسرائيل قد سروا كلهم مع موسى. { فأرسل فرعون في المدآئن حاشرين } يجمعون الناس، ليوقع ببني إسرائيل، ويقول مشجعا لقومه: { إن هؤلاء } أي: بني إسرائيل { لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغآئظون } ونريد أن ننفذ غيظنا في هؤلاء العبيد، الذين أبقوا منا. { وإنا لجميع حاذرون } أي: الحذر على الجميع منهم، وهم أعداء للجميع، والمصلحة مشتركة، فخرج فرعون وجنوده في جيش عظيم، ونفير عام، لم يتخلف منهم سوى أهل الأعذار، الذين منعهم العجز. قال الله تعالى: { فأخرجناهم من جنات وعيون } أي: بساتين مصر وجناتها الفائقة، وعيونها المتدفقة، وزروع قد ملأت أراضيهم، وعمرت بها حاضرتهم وبواديهم. { ومقام كريم } يعجب الناظرين، ويلهي المتأملين، تمتعوا به دهرا طويلا وقضوا بلذته وشهواته عمرا مديدا، على الكفر والفساد، والتكبر على العباد والتيه العظيم. { كذلك وأورثناها } أي: هذه البساتين والعيون، والزروع، والمقام الكريم، { بني إسرائيل } الذين جعلوهم من قبل عبيدهم، وسخروا في أعمالهم الشاقة، فسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته. { فأتبعوهم مشرقين } أي: اتبع قوم فرعون قوم موسى، وقت شروق الشمس، وساقوا خلفهم محثين، على غيظ وحنق قادرين. { فلما تراءى الجمعان } أي: رأى كل منهما صاحبه، { قال أصحاب موسى } شاكين لموسى وحزنين: { إنا لمدركون } ف { قال } موسى مثبتا لهم، ومخبرا لهم بوعد ربه الصادق: { كلا } أي: ليس الأمر كما ذكرتم، أنكم مدركون، { إن معي ربي سيهدين } لما فيه نجاتي ونجاتكم، { فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } فضربه { فانفلق } اثني عشر طريقا { فكان كل فرق كالطود } أي: الجبل { العظيم } فدخله موسى وقومه. { وأزلفنا ثم } في ذلك المكان { الآخرين } أي: فرعون وقومه، قربناهم، وأدخلناهم في ذلك الطريق، الذي سلك منه موسى وقومه. { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } استكملوا خارجين، لم يتخلف منهم أحد. { ثم أغرقنا الآخرين } لم يتخلف منهم عن الغرق أحد، { إن في ذلك لآية } عظيمة على صدق ما جاء به موسى عليه السلام، وبطلان ما عليه فرعون وقومه، { وما كان أكثرهم مؤمنين } مع هذه الآيات المقتضية للإيمان، لفساد قلوبكم، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } بعزته أهلك الكافرين المكذبين، وبرحمته نجى موسى، ومن معه أجمعين.

الصفحة السابقة الصفحة التالية