تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة النمل: الآيات 15-44
{ ولها عرش عظيم } أي: كرسي ملكها الذي تجلس عليه، عرش هائل، وعظم العروش تدل على عظمة المملكة وقوة السلطان وكثرة رجال الشورى. { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } أي: هم مشركون يعبدون الشمس. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } فرأوا ما عليه هو الحق، { فهم لا يهتدون } لأن الذي يرى أن الذي عليه حق، لا مطمع في هدايته حتى تتغير عقيدته. ثم قال: { ألا } أي: هلا { يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموت والأرض } أي: يعلم الخفي الخبيء، في أقطار السماوات، وأنحاء الأرض، من صغار المخلوقات، وبذور النباتات، وخفايا الصدور، ويخرج خبء الأرض والسماء، بإنزال المطر، وإنبات النباتات، ويخرج خبء الأرض عند النفخ في الصور وإخراج الأموات من الأرض، ليجازيهم بأعمالهم { ويعلم ما تخفون وما تعلنون }. { الله لا إله إلا هو } أي: لا تنبغي العبادة، والإنابة والذل، والحب، إلا له، لأنه المألوه، لما له من الصفات الكاملة، والنعم الموجبة لذلك. { رب العرش العظيم } الذي هو سقف المخلوقات، ووسع الأرض والسماوات، فهذا الملك عظيم السلطان، كبير الشأن، هو الذي يذل له ويخضع ويسجد له ويركع، فسلم الهدهد حين ألقى إليه هذا النبأ العظيم، وتعجب سليمان كيف خفي عليه. وقال مثبتا لكمال عقله ورزانته: { قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين * اذهب بكتابي هذا } وسيأتي نصه { فألقه إليهم ثم تول عنهم } أي: استأخر غير بعيد { فانظر ماذا يرجعون } إليك وما يتراجعون به. فذهب به فألقاه عليها، فقالت لقومها: { إني ألقي إلي كتاب كريم } أي جليل المقدار، من أكبر ملوك الأرض. ثم بينت مضمونه فقالت { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين } أي: لا تكونوا فوقي، بل اخضعوا تحت سلطاني، وانقادوا لأوامري، وأقبلوا إلي مسلمين. وهذا في غاية الوجازة مع البيان التام، فإنه تضمن نهيهم عن العلو عليه، والبقاء على حالهم التي هم عليها، والانقياد لأمره، والدخول تحت طاعته، ومجيئهم إليه، ودعوتهم إلى الإسلام، وفيه استحباب ابتداء الكتب بالبسملة كاملة، وتقديم الاسم في أول عنوان الكتاب، فمن حزمها وعقلها، أن جمعت كبار دولتها ورجال مملكتها، وقالت: { يأيها الملأ أفتوني في أمري } أي: أخبروني: ماذا نجيبه به؟ وهل ندخل تحت طاعته وننقاد؟ أم ماذا نفعل؟ { ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون } أي: ما كنت مستبدة بأمر دون رأيكم ومشورتكم. { قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي: إن رددت عليه قوله، ولم تدخلي في طاعته، فإنا أقوياء على القتال، فكأنهم مالوا إلى هذا الرأي، الذي لو تم لكان فيه دمارهم، ولكنهم أيضا لم يستقروا عليه، بل قالوا: { والأمر إليك } أي: الرأي ما رأيت، لعلمهم بعقلها وحزمها، ونصحها لهم { فانظري } نظر فكر وتدبر { ماذا تأمرين }.
فقالت لهم -مقنعة لهم عن رأيهم، ومبينة سوء مغبة القتال- { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها } قتلا، وأسرا، ونهبا لأموالها، وتخريبا لديارها، { وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة } أي: جعلوا الرؤساء السادة أشراف الناس من الأذلين، أي: فهذا رأي: غير سديد، وأيضا، فلست بمطيعة له قبل الاختبار وإرسال من يكشف عن أحواله ويتدبرها، وحينئذ نكون على بصيرة من أمرنا. فقالت: { وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون } منه. هل يستمر على رأيه وقوله؟ أم تخدعه الهدية، وتتبدل فكرته، وكيف أحواله وجنوده؟ فأرسلت له هدية مع رسل من عقلاء قومها، وذوي الرأي: منهم، { فلما جآء سليمان } أي: جاءه الرسل بالهدية { قال } منكرا عليهم، ومتغيظا على عدم إجابتهم: { أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم } فليست تقع عندي موقعا، ولا أفرح بها، قد أغناني الله عنها، وأكثر علي النعم، { بل أنتم بهديتكم تفرحون } لحبكم للدنيا، وقلة ما بأيديكم بالنسبة لما أعطاني الله. ثم أوصى الرسول من غير كتاب، لما رأى من عقله، وأنه سينقل كلامه على وجهه، فقال: { ارجع إليهم } أي: بهديتك { فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم } أي: لا طاقة لهم { بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون } فرجع إليهم، وأبلغهم ما قال سليمان، وتجهزوا للمسير إلى سليمان، وعلم سليمان أنهم لا بد أن يسيروا إليه، فقال لمن حضره من الجن والإنس: { أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } أي: لأجل أن نتصرف فيه قبل أن يسلموا، فتكون أموالهم محترمة، { قال عفريت من الجن } والعفريت: هو القوي النشيط جدا: { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين } والظاهر أن سليمان إذ ذاك في الشام، فيكون بينه وبين سبأ نحو مسيرة أربعة أشهر، شهران ذهابا، وشهران إيابا، ومع ذلك، يقول هذا العفريت: أنا التزم بالمجيء به، على كبره وثقله، وبعده، قبل أن تقوم من مجلسك الذي أنت فيه. والمعتاد من المجالس الطويلة، أن تكون معظم الضحى، نحو ثلث يوم، هذا نهاية المعتاد، وقد يكون دون ذلك، أو أكثر، وهذا الملك العظيم، الذي عند آحاد رعيته هذه القوة والقدرة، وأبلغ من ذلك أن { قال الذي عنده علم من الكتاب }: قال المفسرون: هو رجل عالم صالح، عند سليمان يقال له: " آصف بن برخيا " كان يعرف اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سأل به أعطى. { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } بأن يدعو الله بذلك الاسم، فيحضر حالا، وأنه دعا الله فحضر. فالله أعلم [هل هذا المراد أم أن عنده علما من الكتاب يقتدر به على جلب البعيد وتحصيل الشديد].
{ فلما رآه } سليمان { مستقرا عنده } حمد الله تعالى على إقداره وملكه، وتيسير الأمور له، و { قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر } أي: ليختبرني بذلك. فلم يغتر عليه السلام بملكه وسلطانه وقدرته، كما هو دأب الملوك الجاهلين، بل علم أن ذلك اختبار من ربه، فخاف أن لا يقوم بشكر هذه النعمة، ثم بين أن هذا الشكر لا ينتفع الله به، وإنما يرجع نفعه إلى صاحبه، فقال: { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم } غني عن أعماله، كريم، كثير الخير، يعم به الشاكر والكافر، إلا أن شكر نعمه داع للمزيد منها، وكفرها داع لزوالها، ثم قال لمن عنده: { قال نكروا لها عرشها } أي: غيروه بزيادة ونقص، ونحو ذلك { ننظر } مختبرين لعقلها { أتهتدي } للصواب، ويكون عندها ذكاء وفطنة تليق بملكها { أم تكون من الذين لا يهتدون }. { فلما جآءت } قادمة على سليمان، عرض عليها عرشها، وكان عهدها به، قد خلفته في بلدها، و { قيل } لها { أهكذا عرشك } أي: أنه استقر عندنا أن لك عرشا عظيما، فهل هو كهذا العرش الذي أحضرناه لك؟ { قالت كأنه هو } وهذا من ذكائها وفطنتها، لم تقل " هو " ، لوجود التغيير فيه، والتنكير، ولم تنف أنه هو، لأنها عرفته، فأتت بلفظ محتمل للأمرين، صادق على الحالين، فقال سليمان متعجبا من هدايتها وعقلها، وشاكرا لله أن أعطاه أعظم منها: { وأوتينا العلم من قبلها } أي: الهداية، والعقل، والحزم، من قبل هذه الملكة، { وكنا مسلمين } وهي الهداية النافعة الأصلية. ويحتمل أن هذا من قول ملكة سبأ: " وأوتينا العلم عن ملك سليمان وسلطانه، وزيادة اقتداره، من قبل هذه الحالة التي رأينا فيها قدرته على إحضار العرش من المسافة البعيدة، فأذعنا له، وجئنا مسلمين له، خاضعين لسلطانه ". قال الله تعالى: { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } أي: عن الإسلام، وإلا، فلها من الذكاء والفطنة ما به تعرف الحق من الباطل، ولكن العقائد الباطلة تذهب بصيرة القلب { إنها كانت من قوم كافرين } فاستمرت على دينهم، وانفراد الواحد عن أهل الدين، والعادة المستمرة بأمر يراه بعقله من ضلالهم وخطئهم، من أندر ما يكون، فلهذا لا يستغرب بقاؤها على الكفر، ثم إن سليمان أراد أن ترى من سلطانه ما يبهر العقول، فأمرها أن تدخل الصرح، وهي المجلس المرتفع المتسع، وكان مجلسا من قوارير، تجري تحته الأنهار. ف { قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة } ماء، لأن القوارير شفافة، يرى الماء الذي تحتها، كأنه بذاته يجري، ليس دونه شيء، { وكشفت عن ساقيها } للخياضة، وهذا أيضا من عقلها وأدبها، فإنها لم تمتنع من الدخول للمحل الذي أمرت بدخوله، لعلمها أنها لم تستدع إلا للإكرام، وأن ملك سليمان وتنظيمه، قد بناه على الحكمة، ولم يكن في قلبها أدنى شك من حالة السوء، بعد ما رأت ما رأت.
