تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الأحزاب: الآيات 1-3
33 - سورة الأحزاب
أي: يا أيها الذي من الله عليه بالنبوة، واختصه بوحيه، وفضله على سائر الخلق، اشكر نعمة ربك عليك باستعمال تقواه، التي أنت أولى بها من غيرك، والتي يجب عليك منها أعظم من سواك، فامتثل أوامره ونواهيه، وبلغ رسالاته، وأد إلى عباده وحيه، وابذل النصيحة للخلق. ولا يصدنك عن هذا المقصود صاد، ولا يردك عنه راد، فلا تطع كل كافر قد أظهر العداوة لله ورسوله، ولا منافق قد استبطن التكذيب والكفر، وأظهر ضده. فهؤلاء هم الأعداء على الحقيقة، فلا تطعهم في بعض الأمور، التي تنقض التقوى وتناقضها، ولا تتبع أهواءهم، فيضلوك عن الصواب. { و } لكن { اتبع ما يوحى إليك من ربك } فإنه هو الهدى والرحمة، وارج بذلك ثواب ربك، فإنه بما تعملون خبير، يجازيكم بحسب ما يعلمه منكم من الخير والشر. فإن وقع في قلبك، أنك إن لم تطعهم في أهوائهم المضلة، حصل عليك منهم ضرر، أو حصل نقص في هداية الخلق، فادفع ذلك عن نفسك، واستعمل ما يقاومه ويقاوم غيره، وهو التوكل على الله، بأن تعتمد على ربك اعتماد من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا، في سلامتك من شرهم، وفي إقامة الدين الذي أمرت به، وثق بالله في حصول ذلك الأمر على أي: حال كان. { وكفى بالله وكيلا } توكل إليه الأمور، فيقوم بها وبما هو أصلح للعبد، وذلك لعلمه بمصالح عبده، من حيث لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه، من حيث لا يقدر عليها العبد، وأنه أرحم بعبده من نفسه، ومن والديه، وأرأف به من كل أحد، خصوصا خواص عبيده، الذين لم يزل يربيهم ببره، ويدر عليهم بركاته الظاهرة والباطنة، خصوصا وقد أمره بإلقاء أموره إليه، ووعده، فهناك لا تسأل عن كل أمر يتيسر، وصعب يسهل، وخطوب تهون، وكروب تزول، وأحوال وحوائج تقضى، وبركات تنزل، ونقم تدفع، وشرور ترفع. وهناك ترى العبد الضعيف، الذي فوض أمره لسيده، قد قام بأمور لا يقوم بها أمة من الناس، وقد سهل الله [عليه] ما كان يصعب على فحول الرجال، وبالله المستعان.
