تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الصافات: الآيات 50-61
لما ذكر تعالى نعيمهم وتمام سرورهم، بالمآكل والمشارب، والأزواج الحسان، والمجالس الحسنة، ذكر تذاكرهم فيما بينهم، ومطارحتهم للأحاديث عن الأمور الماضية، وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل، حتى أفضى ذلك بهم، إلى أن قال قائل منهم: { إني كان لي قرين } في الدنيا، ينكر البعث، ويلومني على تصديقي به، و { يقول } لي { أءنك لمن المصدقين أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون } أي: مجازون بأعمالنا؟ أي: كيف تصدق بهذا الأمر البعيد، الذي في غاية الاستغراب، وهو أننا إذا تمزقنا فصرنا ترابا وعظاما، أننا نبعث ونعاد، ثم نحاسب ونجازى بأعمالنا؟!! أي: يقول صاحب الجنة لإخوانه: هذه قصتي، وهذا خبري، أنا وقريني، ما زلت أنا مؤمنا مصدقا، وهو ما زال مكذبا منكرا للبعث، حتى متنا، ثم بعثنا، فوصلت أنا إلى ما ترون من النعيم الذي أخبرتنا به الرسل، وهو لا شك أنه قد وصل إلى العذاب. ف { هل أنتم مطلعون } لننظر إليه، فنزداد غبطة وسرورا بما نحن فيه، ويكون ذلك رأي عين؟ والظاهر من حال أهل الجنة، وسرور بعضهم ببعض، وموافقة بعضهم بعضا، أنهم أجابوه لما قال، وذهبوا تبعا له، للاطلاع على قرينه. { فاطلع } فرأى قرينه { في سوآء الجحيم } أي: في وسط العذاب وغمراته، والعذاب قد أحاط به. ف { قال } له لائما على حاله، وشاكرا لله على نعمته أن نجاه من كيده: { تالله إن كدت لتردين } أي: تهلكني بسبب ما أدخلت علي من الشبه بزعمك، { ولولا نعمة ربي } على أن ثبتني على الإسلام { لكنت من المحضرين } في العذاب معك. { أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } [أي: يقوله المؤمن، مبتهجا بنعمة الله على أهل الجنة بالخلود الدائم فيها والسلامة من العذاب استفهام بمعنى الإثبات والتقرير] أي: يقول لقرينه المعذب: أفتزعم أننا لسنا نموت سوى الموتة الأولى، ولا بعث بعدها ولا عذاب. وقوله: { فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } وحذف المعمول، والمقام مقام لذة وسرور، فدل ذلك على أنهم يتساءلون بكل ما يلتذون بالتحدث به، والمسائل التي وقع فيها النزاع والإشكال. ومن المعلوم أن لذة أهل العلم بالتساؤل عن العلم، والبحث عنه، فوق اللذات الجارية في أحاديث الدنيا، فلهم من هذا النوع النصيب الوافر، ويحصل لهم من انكشاف الحقائق العلمية في الجنة ما لا يمكن التعبير عنه. فلما ذكر تعالى نعيم الجنة، ووصفه بهذه الأوصاف الجميلة، مدحه، وشوق العاملين، وحثهم على العمل، فقال: { إن هذا لهو الفوز العظيم } الذي حصل لهم به كل خير، وكل ما تهوى النفوس وتشتهي، واندفع عنهم به كل محذور ومكروه، فهل فوز يطلب فوقه؟ أم هو غاية الغايات، ونهاية النهايات، حيث حل عليهم رضا رب الأرض والسماوات، وفرحوا بقربه، وتنعموا بمعرفته، واستروا برؤيته، وطربوا لكلامه؟ { لمثل هذا فليعمل العاملون } فهو أحق ما أنفقت فيه نفائس الأنفاس وأولى ما شمر إليه العارفون الأكياس، والحسرة كل الحسرة، أن يمضي على الحازم وقت من أوقاته وهو غير مشتغل بالعمل الذي يقرب لهذه الدار، فكيف إذا كان يسير بخطاياه إلى دار البوار؟!!
