تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الواقعة: الآيات 88-96
ذكر الله تعالى أحوال الطوائف الثلاث: المقربين، وأصحاب اليمين، والمكذبين الضالين، في أول السورة في دار القرار. ثم ذكر أحوالهم في آخرها عند الاحتضار والموت، فقال: { فأمآ إن كان } الميت { من المقربين } وهم الذين أدوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وفضول المباحات، { ف } لهم { روح } أي: راحة وطمأنينة، وسرور وبهجة، ونعيم القلب والروح، { وريحان } وهو اسم جامع لكل لذة بدنية، من أنواع المآكل والمشارب وغيرهما، وقيل: الريحان هو الطيب المعروف، فيكون تعبيرا بنوع الشيء عن جنسه العام. { وجنت نعيم } جامعة للأمرين كليهما، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيبشر المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة، التي تكاد تطير منها الأرواح من الفرح والسرور. كما قال تعالى:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم
[فصلت: 30-32]. وقد أول قوله تبارك تعالى:
لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة
[يونس: 64] أن هذه البشارة المذكورة، هي البشرى في الحياة الدنيا. [وقوله:] { وأمآ إن كان من أصحاب اليمين } وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، و [إن] حصل منهم التقصير في بعض الحقوق التي لا تخل بتوحيدهم وإيمانهم، { ف } يقال لأحدهم: { سلام لك من أصحاب اليمين } أي: سلام حاصل لك من إخوانك أصحاب اليمين أي: يسلمون عليه ويحيونه عند وصوله إليهم ولقائهم له، أو يقال له: سلام لك من الآفات والبليات والعذاب، لأنك من أصحاب اليمين، الذين سلموا من الذنوب الموبقات. { وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين } أي: الذين كذبوا بالحق وضلوا عن الهدى، { فنزل من حميم * وتصلية جحيم } أي: ضيافتهم يوم قدومهم على ربهم تصلية الجحيم التي تحيط بهم، وتصل إلى أفئدتهم، وإذا استغاثوا من شدة العطش والظمأ
يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا
[الكهف: 29]. { إن هذا } الذي ذكره الله تعالى، من جزاء العباد بأعمالهم، خيرها وشرها، وتفاصيل ذلك { لهو حق اليقين } أي: الذي لا شك فيه ولا مرية، بل هو الحق الثابت الذي لا بد من وقوعه، وقد أشهد الله عباده الأدلة القواطع على ذلك، حتى صار عند أولي الألباب كأنهم ذائقون له مشاهدون له فحمدوا الله تعالى على ما خصهم به من هذه النعمة العظيمة، والمنحة الجسيمة. ولهذا قال تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } فسبحان ربنا العظيم، وتعالى وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.
