تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الحشر: الآيات 14-17
{ لا يقاتلونكم جميعا } أي: في حال الاجتماع { إلا في قرى محصنة أو من ورآء جدر } أي: لا يثبتون لقتالكم ولا يعزمون عليه، إلا إذا كانوا متحصنين في القرى، أو من وراء الجدر والأسوار. فإنهم إذ ذاك ربما يحصل منهم امتناع، اعتمادا [على] حصونهم وجدرهم، لا شجاعة بأنفسهم، وهذا من أعظم الذم، { بأسهم بينهم شديد } أي: بأسهم فيما بينهم شديد، لا آفة في أبدانهم ولا في قوتهم، وإنما الآفة في ضعف إيمانهم وعدم اجتماع كلمتهم، ولهذا قال: { تحسبهم جميعا } حين تراهم مجتمعين ومتظاهرين. { و } لكن { قلوبهم شتى } أي: متباغضة متفرقة متشتتة. { ذلك } الذي أوجب لهم اتصافهم بما ذكر { بأنهم قوم لا يعقلون } أي: لا عقل عندهم، ولا لب، فإنهم لو كانت لهم عقول، لآثروا الفاضل على المفضول، ولما رضوا لأنفسهم بأبخس الخطتين، ولكانت كلمتهم مجتمعة، وقلوبهم مؤتلفة، فبذلك يتناصرون ويتعاضدون، ويتعاونون على مصالحهم ومنافعهم الدينية والدنيوية. مثل هؤلاء المخذولين من أهل الكتاب، الذين انتصر الله لرسوله منهم، وأذاقهم الخزي في الحياة الدنيا، وعدم نصر من وعدهم بالمعاونة { كمثل الذين من قبلهم قريبا } وهم كفار قريش الذين زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال:
لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه [وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون]
الآية [الأنفال: 48]. فغرتهم أنفسهم، وغرهم من غرهم، الذين لم ينفعوهم، ولم يدفعوا عنهم العذاب، حتى أتوا " بدرا " بفخرهم وخيلائهم، ظانين أنهم مدركون برسول الله والمؤمنين أمانيهم. فنصر الله رسوله والمؤمنين عليهم، فقتلوا كبارهم وصناديدهم، وأسروا من أسروا منهم، وفر من فر، وذاقوا بذلك وبال أمرهم وعاقبة شركهم وبغيهم، هذا في الدنيا، { ولهم } في الآخرة عذاب النار، ومثل هؤلاء المنافقين الذين غروا إخوانهم من أهل الكتاب { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } أي: زين له الكفر وحسنه ودعاه إليه، فلما اغتر به وكفر، وحصل له الشقاء، لم ينفعه الشيطان الذي تولاه ودعاه إلى ما دعاه إليه، بل تبرأ منه و { قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين } أي: ليس لي قدرة على دفع العذاب عنك، ولست بمغن عنك مثقال ذرة من الخير. { فكان عاقبتهمآ } أي: الداعي الذي هو الشيطان، والمدعو الذي هو الإنسان حين أطاعه { أنهما في النار خالدين } كما قال تعالى:
إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير
[فاطر: 6] { وذلك جزآء الظالمين } الذين اشتركوا في الظلم والكفر، وإن اختلفوا في شدة العذاب وقوته، وهذا دأب الشيطان مع كل أوليائه، فإنه يدعوهم ويدليهم إلى ما يضرهم بغرور، حتى إذا وقعوا في الشباك، وحاقت بهم أسباب الهلاك، تبرأ منهم وتخلى عنهم. واللوم كل اللوم على من أطاعه، فإن الله قد حذر منه وأنذر، وأخبر بمقاصده وغايته ونهايته، فالمقدم على طاعته عاص على بصيرة لا عذر له.
