شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الجن: الآيات 6-21

أي: كان الإنس يعبدون الجن ويستعيذون بهم عند المخاوف والأفزاع، فزاد الإنس الجن رهقا أي: طغيانا وتكبرا، لما رأوا الإنس يعبدونهم، ويستعيذون بهم، ويحتمل أن الضمير في زادوهم يرجع إلى الجن ضمير الواو أي: زاد الجن الإنس ذعرا وتخويفا لما رأوهم يستعيذون بهم، ليلجئوهم إلى الاستعاذة بهم، فكان الإنسي إذا نزل بواد مخوف، قال: " أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ". { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا } أي: فلما أنكروا البعث أقدموا على الشرك والطغيان. { وأنا لمسنا السمآء } أي: أتيناها واختبرناها، { فوجدناها ملئت حرسا شديدا } عن الوصول إلى أرجائها [والدنو منها]، { وشهبا } يرمى بها من استرق السمع، وهذا بخلاف عادتنا الأولى، فإنا كنا نتمكن من الوصول إلى خبر السماء. { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع } فنتلقف من أخبار السماء ما شاء الله، { فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } أي: مرصدا له، معدا لإتلافه وإحراقه، أي: وهذا له شأن عظيم، ونبأ جسيم، وجزموا أن الله تعالى أراد أن يحدث في الأرض حادثا كبيرا، من خير أو شر، فلهذا قالوا: { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } أي: لا بد من هذا أو هذا، لأنهم رأوا الأمر تغير عليهم تغيرا أنكروه، فعرفوا بفطنتهم، أن هذا الأمر يريده الله، ويحدثه في الأرض، وفي هذا بيان لأدبهم، إذ أضافوا الخير إلى الله تعالى، والشر حذفوا فاعله تأدبا مع الله. { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } أي: فساق وفجار وكفار، { كنا طرآئق قددا } أي: فرقا متنوعة، وأهواء متفرقة، كل حزب بما لديهم فرحون. { وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا } أي: وأنا في وقتنا الآن تبين لنا كمال قدرة الله وكمال عجزنا، وأن نواصينا بيد الله، فلن نعجزه في الأرض ولن نعجزه إن هربنا وسعينا بأسباب الفرار والخروج عن قدرته، لا ملجأ منه إلا إليه، { وأنا لما سمعنا الهدى } وهو القرآن الكريم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وعرفنا هدايته وإرشاده، أثر في قلوبنا ف { آمنا به }. ثم ذكروا ما يرغب المؤمن فقالوا: { فمن يؤمن بربه } إيمانا صادقا { فلا يخاف بخسا ولا رهقا } أي: لا نقصا ولا طغيانا ولا أذى يلحقه، وإذا سلم من الشر حصل له الخير، فالإيمان سبب داع إلى حصول كل خير وانتفاء كل شر. { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون } أي: الجائرون، العادلون عن الصراط المستقيم. { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } أي: أصابوا طريق الرشد، الموصل لهم إلى الجنة ونعيمها، { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } وذلك جزاء على أعمالهم، لا ظلم من الله لهم، فإنهم { وألو استقاموا على الطريقة } المثلى { لأسقيناهم مآء غدقا } أي: هنيئا مريئا، ولم يمنعهم ذلك إلا ظلمهم وعدوانهم.

{ لنفتنهم فيه } أي: لنختبرهم فيه ونمتحنهم، ليظهر الصادق من الكاذب. { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا } أي: من أعرض عن ذكر الله، الذي هو كتابه، فلم يتبعه وينقد له، بل غفل عنه ولهى، يسلكه عذابا صعدا أي: شديدا بليغا. { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } أي: لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة، فإن المساجد التي هي أعظم محال العبادة مبنية على الإخلاص لله، والخضوع لعظمته، والاستكانة لعزته، { وأنه لما قام عبد الله يدعوه } أي: يسأله ويتعبد له ويقرأ القرآن كاد الجن من تكاثرهم عليه أن يكونوا عليه لبدا أي: متلبدين متراكمين، حرصا على سماع ما جاء به من الهدى. { قل } لهم يا أيها الرسول، مبينا حقيقة ما تدعو إليه: { إنمآ أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا } أي: أوحده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونه من الأنداد والأوثان، وكل ما يتخذه المشركون من دونه. { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } فإني عبد ليس لي من الأمر ولا من التصرف شيء.

الصفحة السابقة الصفحة التالية