شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الفجر: الآيات 21-30

{ كلا } أي: ليس [كل] ما أحببتم من الأموال، وتنافستم فيه من اللذات، بباق لكم، بل أمامكم يوم عظيم، وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال وما عليها حتى تجعل قاعا صفصفا لا عوج فيه ولا أمت. ويجيء الله تعالى لفصل القضاء بين عباده في ظلل من الغمام، وتجيء الملائكة الكرام، أهل السماوات كلهم، صفا صفا أي: صفا بعد صف، كل سماء يجيء ملائكتها صفا، يحيطون بمن دونهم من الخلق، وهذه الصفوف صفوف خضوع وذل للملك الجبار، { وجيء يومئذ بجهنم } تقودها الملائكة بالسلاسل. فإذا وقعت هذه الأمور ف { يومئذ يتذكر الإنسان } ما قدمه من خير وشر. { وأنى له الذكرى } فقد فات أوانها، وذهب زمانها، يقول متحسرا على ما فرط في جنب الله: { يليتني قدمت لحياتي } الدائمة الباقية، عملا صالحا، كما قال تعالى:

يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا

[الفرقان: 27-28]. وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها، وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار، فإنها دار الخلد والبقاء، { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } لمن أهمل ذلك اليوم ونسي العمل له، { ولا يوثق وثاقه أحد } فإنهم يقرنون بسلاسل من نار، ويسحبون على وجوههم في الحميم، ثم في النار يسجرون، فهذا جزاء المجرمين، وأما من اطمأن إلى الله وآمن به وصدق رسله، فيقال له: { يأيتها النفس المطمئنة } إلى ذكر الله، الساكنة [إلى] حبه، التي قرت عينها بالله. { ارجعي إلى ربك } الذي رباك بنعمته، وأسدى عليك من إحسانه ما صرت به من أوليائه وأحبابه { راضية مرضية } أي: راضية عن الله، وعن ما أكرمها به من الثواب، والله قد رضي عنها. { فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي } وهذا تخاطب به الروح يوم القيامة، وتخاطب به حال الموت [والحمد لله رب العالمين].

الصفحة السابقة الصفحة التالية