شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة النساء: الآيات 11-12

ثم قال تعالى: { ولكم } أيها الأزواج { نصف ما ترك أزوجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ أو دين }. ويدخل في مسمى الولد المشروط وجوده أو عدمه، ولد الصلب أو ولد الابن الذكر والأنثى، الواحد والمتعدد، الذي من الزوج أو من غيره، ويخرج عنه ولد البنات إجماعا. ثم قال تعالى: { وإن كان رجل يورث كللة أو امرأة وله أخ أو أخت } أي: من أم، كما هي في بعض القراءات. وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأم، فإذا كان يورث كلالة أي: ليس للميت والد ولا ولد أي: لا أب ولا جد ولا ابن ولا ابن ابن ولا بنت، ولا بنت ابن وإن نزلوا. وهذه هي الكلالة، كما فسرها بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد حصل على ذلك الاتفاق، ولله الحمد. { فلكل واحد منهما } أي: من الأخ والأخت { السدس } { فإن كانوا أكثر من ذلك } أي: من واحد { فهم شركآء في الثلث } أي: لا يزيدون على الثلث ولو زادوا عن اثنين. ودل قوله: { فهم شركآء في الثلث } أن ذكرهم وأنثاهم سواء، لأن لفظ " التشريك " يقتضي التسوية. ودل لفظ " الكلالة " على أن الفروع وإن نزلوا، والأصول الذكور وإن علوا، يسقطون أولاد الأم، لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة، فلو لم يكن يورث كلالة، لم يرثوا منه شيئا اتفاقا. ودل قوله: { فهم شركآء في الثلث } أن الإخوة الأشقاء يسقطون في المسألة المسماة بالحمارية. وهى: زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء. للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة للأم الثلث، ويسقط الأشقاء، لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم، فلو شاركهم الأشقاء لكان جمعا لما فرق الله حكمه. وأيضا فإن الإخوة للأم أصحاب فروض، والأشقاء عصبات. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

" ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر "

- وأهل الفروض هم الذين قدر الله أنصباءهم، ففي هذه المسألة لا يبقى بعدهم شيء، فيسقط الأشقاء، وهذا هو الصواب في ذلك. وأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب، فمذكور في قوله:

يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة

الآية [النساء: 176]. فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب، أو الأخوات، تأخذ النصف والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب، وهو السدس تكملة الثلثين. وإذ استغرقت الشقيقات الثلثين سقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات الابن.

وإن كان الإخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين. فإن قيل: فهل يستفاد حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والمبعض، والخنثى، والجد مع الإخوة لغير أم، والعول، والرد، وذوي الأرحام، وبقية العصبة، والأخوات لغير أم، مع البنات أو بنات الابن من القرآن أم لا؟ قيل: نعم، فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل، تدل على جميع المذكورات. فأما القاتل والمخالف في الدين فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية في توزيع المال على الورثة، بحسب قربهم ونفعهم الديني والدنيوي. وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله: { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } وقد علم أن القاتل قد سعى لمورثه بأعظم الضرر، فلا ينتهض ما فيه من موجب الإرث، أن يقاوم ضرر القتل الذي هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث. فعلم من ذلك أن القتل أكبر مانع يمنع الميراث، ويقطع الرحم الذي قال الله فيه:

وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله

[الأنفال: 75]. مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية أن " من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه ". وبهذا ونحوه يعرف أن المخالف لدين الموروث لا إرث له، وذلك أنه قد تعارض الموجب الذي هو اتصال النسب الموجب للإرث، والمانع الذي هو المخالفة في الدين الموجبة للمباينة من كل وجه، فقوي المانع، ومنع موجب الإرث الذي هو النسب، فلم يعمل الموجب لقيام المانع. يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية، فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به. فيكون قوله تعالى:

وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله

[الأنفال: 75] إذا اتفقت أديانهم، وأما مع تباينهم فالأخوة الدينية مقدمة على الأخوة النسبية المجردة. قال ابن القيم في " جلاء الأفهام ": " وتأمل هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة، دون المرأة، كما في قوله تعالى: { ولكم نصف ما ترك أزوجكم } إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين " [انتهى]. وأما الرقيق فإنه لا يرث ولا يورث، أما كونه لا يورث فواضح، لأنه ليس له مال يورث عنه، بل كل ما معه فهو لسيده. وأما كونه لا يرث، فلأنه لا يملك، فإنه لو ملك لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت، فيكون مثل قوله تعالى:

للذكر مثل حظ الأنثيين

[النساء: 11] { ولكم نصف ما ترك أزوجكم } { فلكل واحد منهما السدس } ونحوها لمن يتأتى منه التملك، فأما الرقيق فلا يتأتى منه ذلك، فعلم أنه لا ميراث له.

وأما من بعضه حر وبعضه رقيق، فإنه تتبعض أحكامه. فما فيه من الحرية يستحق بها ما رتبه الله في المواريث، لكون ما فيه من الحرية قابلا للتملك، وما فيه من الرق فليس بقابل لذلك، فإذا يكون المبعض، يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية. وإذا كان العبد يكون محمودا مذموما، مثابا ومعاقبا، بقدر ما فيه من موجبات ذلك، فهذا كذلك. وأما الخنثى فلا يخلو إما أن يكون واضحا ذكوريته أو أنوثيته، أو مشكلا. فإن كان واضحا فالأمر فيه واضح. إن كان ذكرا فله حكم الذكور، ويشمله النص الوارد فيهم. وإن كان أنثى فله حكم الإناث، ويشملها النص الوارد فيهن. وإن كان مشكلا فإن كان الذكر والأنثى لا يختلف إرثهما - كالإخوة للأم - فالأمر فيه واضح، وإن كان يختلف إرثه بتقدير ذكوريته وبتقدير أنوثيته، ولم يبق لنا طريق إلى العلم بذلك، لم نعطه أكثر التقديرين، لاحتمال ظلم من معه من الورثة، ولم نعطه الأقل، لاحتمال ظلمنا له. فوجب التوسط بين الأمرين، وسلوك أعدل الطريقين، قال تعالى:

اعدلوا هو أقرب للتقوى

[المائدة: 8] وليس لنا طريق إلى العدل في مثل هذا أكثر من هذا الطريق المذكور. و

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

[البقرة: 286]

فاتقوا الله ما استطعتم

[التغابن: 16]. وأما ميراث الجد مع الإخوة الأشقاء أو لأب، وهل يرثون معه أم لا؟ فقد دل كتاب الله على قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن الجد يحجب الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم، كما يحجبهم الأب. وبيان ذلك: أن الجد أب في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى:

إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق

الآية [البقرة: 133]. وقال يوسف عليه السلام:

واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب

[يوسف: 38]. فسمى الله الجد وجد الأب أبا، فدل ذلك على أن الجد بمنزلة الأب، يرث ما يرثه الأب، ويحجب من يحجبه. وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أن الجد حكمه حكم الأب عند عدمه في ميراثه مع الأولاد وغيرهم، من بني الإخوة والأعمام وبنيهم، وسائر أحكام المواريث، فينبغي أيضا أن يكون حكمه حكمه في حجب الإخوة لغير أم. وإذا كان ابن الابن بمنزلة ابن الصلب، فلم لا يكون الجد بمنزلة الأب؟ وإذا كان جد الأب مع ابن الأخ، قد اتفق العلماء على أنه يحجبه. فلم لا يحجب جد الميت أخاه؟ فليس مع من يورث الإخوة مع الجد، نص ولا إشارة، ولا تنبيه ولا قياس صحيح. وأما مسائل العول فإنه يستفاد حكمها من القرآن، وذلك أن الله تعالى قد فرض وقدر لأهل المواريث أنصباء، وهم بين حالتين: إما أن يحجب بعضهم بعضا، أو لا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية