شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة النساء: الآيات 105-113

يخبر تعالى، أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي: محفوظا في إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل بل نزل بالحق، ومشتملا أيضا على الحق فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل

وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا

[الأنعام: 115] وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس. وفي الآية الأخرى:

وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم

[النحل: 44]. فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس، في مسائل النزاع والاختلاف، وتلك في تبيين جميع الدين وأصوله وفروعه، ويحتمل أن الآيتين كليهما، معناهما واحد، فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد، وفي جميع مسائل الأحكام. وقوله: { بمآ أراك الله } أي: لا بهواك، بل بما علمك الله وألهمك، كقوله تعالى:

وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى

[النجم: 3-4]. وفي هذا دليل على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما يبلغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها، وأنه يشترط في الحاكم العلم والعدل، لقوله: { بمآ أراك الله } ولم يقل: بما رأيت. ورتب أيضا الحكم بين الناس على معرفة الكتاب، ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط، نهاه عن الجور والظلم الذي هو ضد العدل، فقال: { ولا تكن للخآئنين خصيما } أي: لا تخاصم عن من عرفت خيانته، من مدع ما ليس له، أو منكر حقا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم. { واستغفر الله } مما صدر منك، إن صدر. { إن الله كان غفورا رحيما } أي: يغفر الذنب العظيم لمن استغفره وتاب إليه وأناب، ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك، الموجب لثوابه وزوال عقابه. { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم }. " الاختيان " و " الخيانة " بمعنى الجناية والظلم والإثم، وهذا يشمل النهي عن المجادلة، عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة، من حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية. { أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } أي: كثير الخيانة والإثم، وإذا انتفى الحب ثبت ضده، وهو البغض، وهذا كالتعليل، للنهي المتقدم. ثم ذكر عن هؤلاء الخائنين أنهم { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول } وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين، أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم.

وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية، والسعي في ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم، ليفعل ما بيتوه. فقد جمعوا بين عدة جنايات، ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات، المطلع على سرائرهم وضمائرهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: { وكان الله بما يعملون محيطا } أي: قد أحاط بذلك علما، ومع هذا لم يعاجلهم بالعقوبة بل استأنى بهم، وعرض عليهم التوبة وحذرهم من الإصرار على ذنبهم، الموجب للعقوبة البليغة. { هأنتم هؤلاء جدلتم عنهم في الحيوة الدنيا فمن يجدل الله عنهم يوم القيمة أم من يكون عليهم وكيلا } أي: هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا، ودفع عنهم جدالكم بعض ما تحذرون من العار والفضيحة عند الخلق، فماذا يغني عنهم وينفعهم؟ ومن يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون؟

يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين

[النور: 25]. فمن يجادل عنهم، من يعلم السر وأخفى، ومن أقام عليهم من الشهود ما لا يمكن معه الإنكار؟ وفي هذه الآية إرشاد إلى المقابلة بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله أو فعل مناهيه، وبين ما يفوت من ثواب الآخرة أو يحصل من عقوباتها. فيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلا وتفريطا فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟ وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة، قال لها: هبك فعلت ما اشتهيت، فإن لذته تنقضي ويعقبها من الهموم والغموم والحسرات، وفوات الثواب وحصول العقاب - ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها. وهذا من أعظم ما ينفع العبد تدبره، وهو خاصة العقل الحقيقي. بخلاف الذي يدعي العقل، وليس كذلك، فإنه بجهله وظلمه يؤثر اللذة الحاضرة، والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان. ثم قال تعالى: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } أي: من تجرأ على المعاصي واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارا تاما، يستلزم الإقرار بالذنب والندم عليه والإقلاع والعزم على أن لا يعود. فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد، بالمغفرة والرحمة. فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلا عن توفيقه، لأنه قد غفره وإذا غفره، غفر ما يترتب عليه.

واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمي " سوءا " لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئا غير حسن. وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق يشمل ظلمها بالشرك فما دونه. ولكن عند اقتران أحدهما بالآخر، قد يفسر كل واحد منهما بما يناسبه، فيفسر عمل السوء هنا بالظلم الذي يسوء الناس، وهو ظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. ويفسر ظلم النفس بالظلم والمعاصي التي بين الله وبين عبده، وسمي ظلم النفس " ظلما " لأن نفس العبد ليست ملكا له يتصرف فيها بما يشاء، وإنما هي ملك لله تعالى، قد جعلها أمانة عند العبد، وأمره أن يقيمها على طريق العدل، بإلزامها للصراط المستقيم، علما وعملا، فيسعى في تعليمها ما أمر به، ويسعى في العمل بما يجب، فسعيه في غير هذا الطريق ظلم لنفسه وخيانة، وعدول بها عن العدل، الذي ضده الجور والظلم. ثم قال: { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه } وهذا يشمل كل ما يؤثم من صغير وكبير، فمن كسب سيئة فإن عقوبتها الدنيوية والأخروية على نفسه، لا تتعداها إلى غيرها، كما قال تعالى:

ولا تزر وازرة وزر أخرى

[الأنعام: 164] لكن إذا ظهرت السيئات فلم تنكر، عمت عقوبتها، وشمل إثمها، فلا تخرج أيضا عن حكم هذه الآية الكريمة، لأن من ترك الإنكار الواجب فقد كسب سيئة. وفي هذا بيان عدل الله وحكمته، أنه لا يعاقب أحدا بذنب أحد، ولا يعاقب أحدا أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه، ولهذا قال: { وكان الله عليما حكيما } أي: له العلم الكامل، والحكمة التامة. ومن علمه وحكمته أنه يعلم الذنب وما صدر منه، والسبب الداعي لفعله، والعقوبة المترتبة على فعله، ويعلم حالة المذنب، أنه إن صدر منه الذنب، بغلبة دواعي نفسه الأمارة بالسوء، مع إنابته إلى ربه في كثير من أوقاته، أنه سيغفر له ويوفقه للتوبة. وإن صدر منه بتجرئه على المحارم، استخفافا بنظر ربه، وتهاونا بعقابه، فإن هذا بعيد من المغفرة، بعيد من التوفيق للتوبة. ثم قال: { ومن يكسب خطيئة } أي: ذنبا كبيرا { أو إثما } ما دون ذلك. { ثم يرم به } أن يتهم بذنبه { بريئا } من ذلك الذنب، وإن كان مذنبا. { فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا } أي: فقد حمل فوق ظهره بهتا للبريء وإثما ظاهرا بينا، وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب وموبقاتها، فإنه قد جمع عدة مفاسد: كسب الخطيئة والإثم، ثم رمي من لم يفعلها بفعلها، ثم الكذب الشنيع، بتبرئة نفسه واتهام البريء، ثم ما يترتب على ذلك، من العقوبة الدنيوية، تندفع عمن وجبت عليه، وتقام على من لا يستحقها. ثم ما يترتب على ذلك أيضا من كلام الناس في البريء إلى غير ذلك من المفاسد التي نسأل الله العافية منها، ومن كل شر.

الصفحة السابقة الصفحة التالية