تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الأنعام: الآيات 51-55
هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } فهم متيقنون للانتقال من هذه الدار إلى دار القرار، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. { ليس لهم من دونه } أي: لا من دون الله { ولي ولا شفيع } أي: من يتولى أمرهم فيحصل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم، لأن الخلق كلهم ليس لهم من الأمر شيء. { لعلهم يتقون } الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه. { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أي: لا تطرد عنك وعن مجالستك أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء. { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } أي: كل له حسابه، وله عمله الحسن وعمله القبيح. { فتطردهم فتكون من الظالمين } وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبر نفسه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم. وكان سبب نزول هذه الآيات، أن أناسا [من قريش، أو] من أجلاف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها. { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } أي: هذا من ابتلاء الله لعباده، حيث جعل بعضهم غنيا وبعضهم فقيرا، وبعضهم شريفا، وبعضهم وضيعا، فإذا من الله بالإيمان على الفقير أو الوضيع. كان ذلك محل محنة للغني والشريف فإن كان قصده الحق واتباعه آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركه الذي يراه دونه بالغنى أو الشرف، وإن لم يكن صادقا في طلب الحق، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحق. وقالوا محتقرين لمن يرونهم دونهم: { أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } فمنعهم هذا من اتباع الحق، لعدم زكائهم، قال الله مجيبا لكلامهم المتضمن الاعتراض على الله في هداية هؤلاء، وعدم هدايتهم هم. { أليس الله بأعلم بالشكرين } الذين يعرفون النعمة، ويقرون بها، ويقومون بما تقتضيه من العمل الصالح، فيضع فضله ومنته عليهم، دون من ليس بشاكر، فإن الله تعالى حكيم لا يضع فضله عند من ليس له بأهل، وهؤلاء المعترضون بهذا الوصف، بخلاف من من الله عليهم بالإيمان من الفقراء وغيرهم فإنهم هم الشاكرون.
ولما نهى الله رسوله عن طرد المؤمنين القانتين، أمره بمقابلتهم بالإكرام والإعظام، والتبجيل والاحترام، فقال: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } أي: وإذا جاءك المؤمنون، فحيهم ورحب بهم ولقهم منك تحية وسلام، وبشرهم بما ينشط عزائمهم وهممهم، من رحمة الله وسعة جوده وإحسانه، وحثهم على كل سبب وطريق، يوصل لذلك. ورهبهم من الإقامة على الذنوب، وأمرهم بالتوبة من المعاصي لينالوا مغفرة ربهم وجوده، ولهذا قال: { كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهلة ثم تاب من بعده وأصلح } أي: فلا بد مع ترك الذنوب والإقلاع والندم عليها، من إصلاح العمل وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة. فإذا وجد ذلك كله { فأنه غفور رحيم } أي: صب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به مما أمرهم به. { وكذلك نفصل الآيات } أي: نوضحها ونبينها، ونميز بين طريق الهدى من الضلال، والغي والرشاد، ليهتدي بذلك المهتدون، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه. { ولتستبين سبيل المجرمين } الموصلة إلى سخط الله وعذابه، فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت أمكن اجتنابها والبعد منها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل.
