شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الأنعام: الآيات 136-140

يخبر تعالى عما عليه المشركون المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم، من سفاهة العقل وخفة الأحلام، والجهل البليغ، وعدد تبارك وتعالى شيئا من خرافاتهم لينبه بذلك على ضلالهم والحذر منهم، وأن معارضة أمثال هؤلاء السفهاء للحق الذي جاء به الرسول، لا تقدح فيه أصلا، فإنهم لا أهلية لهم في مقابلة الحق، فذكر من ذلك أنهم { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا } ولشركائهم من ذلك نصيبا، والحال أن الله تعالى هو الذي ذرأه للعباد، وأوجده رزقا، فجمعوا بين محذورين محظورين، بل ثلاثة محاذير، منتهم على الله في جعلهم له نصيبا، مع اعتقادهم أن ذلك منهم تبرع، وإشراك الشركاء الذين لم يرزقوهم، ولم يوجدوا لهم شيئا في ذلك، وحكمهم الجائر في أن ما كان لله لم يبالوا به ولم يهتموا، ولو كان واصلا إلى الشركاء، وما كان لشركائهم اعتنوا به واحتفظوا به ولم يصل إلى الله منه شيء، وذلك أنهم إذا حصل لهم - من زروعهم وثمارهم وأنعامهم التي أوجدها الله لهم - شيء، جعلوه قسمين: قسما قالوا: هذا لله بقولهم وزعمهم، وإلا فالله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه، ولا يقبل عمل من أشرك به. وقسما جعلوه حصة شركائهم من الأوثان والأنداد. فإن وصل شيء مما جعلوه لله، واختلط بما جعلوه لغيره، لم يبالوا بذلك، وقالوا: الله غني عنه، فلا يردونه، وإن وصل شيء مما جعلوه لآلهتهم إلى ما جعلوه لله، ردوه إلى محله، وقالوا: إنها فقيرة، لا بد من رد نصيبها. فهل أسوأ من هذا الحكم. وأظلم؟!! حيث جعلوا ما للمخلوق، يجتهد فيه وينصح ويحفظ، أكثر مما يفعل بحق الله. ويحتمل أن تأويل الآية الكريمة، ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الله تعالى أنه قال:

" أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي شيئا تركته وشركه ".

وأن معنى الآية أن ما جعلوه وتقربوا به لأوثانهم، فهو تقرب خالص لغير الله، ليس لله منه شيء، وما جعلوه لله - على زعمهم - فإنه لا يصل إليه لكونه شركا، بل يكون حظ الشركاء والأنداد، لأن الله غني عنه، لا يقبل العمل الذي أشرك به معه أحد من الخلق. ومن سفه المشركين وضلالهم أنه زين لكثير من المشركين شركاؤهم - أي: رؤساؤهم وشياطينهم - قتل أولادهم، وهو: الوأد، الذين يدفنون أولادهم الذكور خشية الافتقار، والإناث خشية العار. وكل هذا من خدع الشياطين، الذين يريدون أن يردوهم بالهلاك، ويلبسوا عليهم دينهم، فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح، ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم، حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة، ولو شاء الله أن يمنعهم ويحول بينهم وبين هذه الأفعال، ويمنع أولادهم عن قتل الأبوين لهم، ما فعلوه، ولكن اقتضت حكمته التخلية بينهم وبين أفعالهم، استدراجا منه لهم، وإمهالا لهم، وعدم مبالاة بما هم عليه، ولهذا قال: { فذرهم وما يفترون } أي: دعهم مع كذبهم وافترائهم، ولا تحزن عليهم، فإنهم لن يضروا الله شيئا.

ومن أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلها الله لهم عموما، وجعلها رزقا ورحمة، يتمتعون بها وينتفعون، قد اخترعوا فيها بدعا وأقوالا من تلقاء أنفسهم، فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام [والحرث] أنهم يقولون فيها: { هذه أنعم وحرث حجر } أي: محرم { لا يطعمهآ إلا من نشآء } أي: لا يجوز أن يطعمه أحد، إلا من أردنا أن يطعمه، أو وصفناه بوصف - من عندهم -. وكل هذا بزعمهم لا مستند لهم ولا حجة، إلا أهويتهم وآراؤهم الفاسدة. وأنعام ليست محرمة من كل وجه، بل يحرمون ظهورها أي: بالركوب والحمل عليها، ويحمون ظهرها، ويسمونها الحام، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها، بل يذكرون اسم أصنامهم وما كانوا يعبدون من دون الله عليها، وينسبون تلك الأفعال إلى الله، وهم كذبة فجار في ذلك. { سيجزيهم بما كانوا يفترون } على الله من إحلال الشرك، وتحريم الحلال من الأكل، والمنافع. ومن آرائهم السخيفة أنهم يجعلون بعض الأنعام ويعينونها - محرما ما في بطنها على الإناث دون الذكور، فيقولون: { ما في بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا } أي: حلال لهم، لا يشاركهم فيها النساء، { ومحرم على أزوجنا } أي: نسائنا، هذا إذا ولد حيا، وإن يكن ما [في] بطنها يولد ميتا، فهم فيه شركاء، أي: فهو حلال للذكور والإناث. { سيجزيهم } الله { وصفهم } حين وصفوا ما أحله الله بأنه حرام، ووصفوا الحرام بالحلال، فناقضوا شرع الله وخالفوه، ونسبوا ذلك إلى الله. { إنه حكيم } حيث أمهل لهم، ومكنهم مما هم فيه من الضلال. { عليم } بهم، لا تخفى عليه خافية، وهو تعالى يعلم بهم وبما قالوه عليه وافتروه، وهو يعافيهم ويرزقهم جل جلاله. ثم بين خسرانهم وسفاهة عقولهم فقال: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم سفها بغير علم } أي: خسروا دينهم وأولادهم وعقولهم، وصار وصفهم - بعد العقول الرزينة - السفه المردي والضلال. { وحرموا ما رزقهم الله } أي: ما جعله رحمة لهم، وساقه رزقا لهم. فردوا كرامة ربهم، ولم يكتفوا بذلك، بل وصفوها بأنها حرام، وهي من أحل الحلال. وكل هذا { افترآء على الله } أي: كذبا يكذب به كل معاند كفار. { قد ضلوا وما كانوا مهتدين } أي: قد ضلوا ضلالا بعيدا، ولم يكونوا مهتدين في شيء من أمورهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية