شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة يوسف: الآيات 15-18

أي: لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعد ما أذن له أبوه، وعزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب، كما قال قائلهم السابق ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه، فنفذوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجب، ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحرجة، { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } أي: سيكون منك معاتبة لهم، وإخبار عن أمرهم هذا، وهم لا يشعرون بذلك الأمر، ففيه بشارة له، بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض. { وجآءوا أباهم عشآء يبكون } ليكون إتيانهم متأخرا عن عادتهم، وبكاؤهم دليلا لهم، وقرينة على صدقهم، فقالوا - متعذرين بعذر كاذب -، { يأبانآ إنا ذهبنا نستبق } إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال، { وتركنا يوسف عند متاعنا } توفيرا له وراحة، { فأكله الذئب } في حال غيبتنا عنه في استباقنا { ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا لما في قلبك من الحزن على يوسف، والرقة الشديدة عليه. ولكن عدم تصديقك إيانا، لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي، وكل هذا تأكيد لعذرهم، { و } مما أكدوا به قولهم، أنهم { وجآءوا على قميصه بدم كذب } زعموا أنه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدقهم أبوهم بذلك، و { قال }: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } أي: زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه، لأنه رأى من القرائن والأحوال [ومن رؤيا يوسف التي قصها عليه] ما دله على ما قال. { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } أي: أما أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرا جميلا، سالما من السخط والتشكي إلى الخلق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر وشكى إلى خالقه في قوله:

إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله

[يوسف: 86] لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل، لأن النبي إذا وعد وفى.

الصفحة السابقة الصفحة التالية