تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة يوسف: الآيات 36-40
أي: { و } لما دخل يوسف السجن، كان في جملة من { دخل معه السجن فتيان } أي: شابان، فرأى كل واحد منهما رؤيا، فقصها على يوسف ليعبرها، ف { قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا } وذلك الخبز { تأكل الطير منه نبئنا بتأويله } أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: { إنا نراك من المحسنين } أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسن إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسلا ليوسف بإحسانه. ف { قال } لهما مجيبا لطلبتهما: { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما } أي: فلتطمئن قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما. ولعل يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بدت حاجتهما إليه، ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما. ثم قال: { ذلكما } التعبير الذي سأعبره لكما { مما علمني ربي } أي: هذا من علم الله علمنيه وأحسن إلي به، وذلك { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون } والترك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه، يكون لمن لم يدخل فيه أصلا. فلا يقال: إن يوسف كان من قبل، على غير ملة إبراهيم. { واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } ثم فسر تلك الملة بقوله: { ما كان لنآ } أي: ما ينبغي ولا يليق بنا { أن نشرك بالله من شيء } بل نفرد الله بالتوحيد، ونخلص له الدين والعبادة. { ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس } أي: هذا من أفضل مننه وإحسانه وفضله علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا، فإنه لا أفضل من منة الله على العباد بالإسلام والدين القويم، فمن قبله وانقاد له فهو حظه، وقد حصل له أكبر النعم وأجل الفضائل. { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } فلذلك تأتيهم المنة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى، فإن الفتيين لما تقرر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال، وأنه محسن معلم - ذكر لهما أن هذه الحالة التي أنا عليها، كلها من فضل الله وإحسانه، حيث من علي بترك الشرك وباتباع ملة آبائه، فبهذا وصلت إلى ما رأيتما، فينبغي لكما أن تسلكا ما سلكت. ثم صرح لهما بالدعوة، فقال: { يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } أي: أرباب عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون، أتلك { خير أم الله } الذي له صفات الكمال، { الواحد } في ذاته وصفاته وأفعاله فلا شريك له في شيء من ذلك.
{ القهار } الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن
ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ
[هود: 56] ومن المعلوم أن من هذا شأنه ووصفه خير من الآلهة المتفرقة التي هي مجرد أسماء، لا كمال لها ولا أفعال لديها، ولهذا قال: { ما تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم }. أي: كسوتموها أسماء، سميتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا فيها من صفات الألوهية شيء، { وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان } بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم ينزل الله بها سلطانا، لم يكن طريق ولا وسيلة ولا دليل لها. لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرع الشرائع ويسن الأحكام، وهو الذي أمركم { ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم } أي: المستقيم الموصل إلى كل خير، وما سواه من الأديان، فإنها غير مستقيمة، بل معوجة توصل إلى كل شر. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } حقائق الأشياء، وإلا فإن الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له، وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها. ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك، حصل منهم ما حصل من الشرك، فيوسف عليه السلام دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما - بذلك - الحجة، ثم إنه عليه السلام شرع يعبر رؤياهما، بعد ما وعدهما ذلك، فقال: { يصاحبي السجن أمآ... }.
