شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة يوسف: الآيات 58-68

أي: لما تولى يوسف عليه السلام خزائن الأرض، دبرها أحسن تدبير، فزرع في أرض مصر جميعها في السنين الخصبة زروعا هائلة، واتخذ لها المحلات الكبار، وجبا من الأطعمة شيئا كثيرا وحفظه، وضبطه ضبطا تاما، فلما دخلت السنون المجدبة، وسرى الجدب حتى وصل إلى فلسطين، التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة إلى مصر، { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون } أي: لم يعرفوه. { ولما جهزهم بجهازهم } أي: كال لهم كما كان يكيل لغيرهم، وكان من تدبيره الحسن أنه لا يكيل لكل واحد أكثر من حمل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أن لهم أخا عند أبيه، وهو بنيامين. ف { قال } لهم: { ائتوني بأخ لكم من أبيكم } ثم رغبهم في الإتيان به فقال: { ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين } في الضيافة والإكرام. ثم رهبهم بعدم الإتيان به، فقال: { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون } وذلك لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه، وأن ذلك يحملهم على الإتيان به. ف { قالوا سنراود عنه أباه } دل هذا على أن يعقوب عليه السلام كان مولعا به لا يصبر عنه، وكان يتسلى به بعد يوسف، فلذلك احتاج إلى مراودة في بعثه معهم { وإنا لفاعلون } لما أمرتنا به. { وقال } يوسف { لفتيانه } الذين في خدمته: { اجعلوا بضاعتهم } أي: الثمن الذي اشتروا به من الميرة. { في رحالهم لعلهم يعرفونهآ } أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم، { لعلهم يرجعون } لأجل التحرج من أخذها على ما قيل، والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلا وافيا، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يحسون بها، ولا يشعرون لما يأتي، فإن الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمحسن. { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا الكيل } أي: إن لم ترسل معنا أخانا، { فأرسل معنآ أخانا نكتل } أي: ليكون ذلك سببا لكيلنا، ثم التزموا له بحفظه، فقالوا: { وإنا له لحافظون } من أن يعرض له ما يكره. { قال } لهم يعقوب عليه السلام: { هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل } أي: تقدم منكم التزام أكثر من هذا في حفظ يوسف، ومع هذا لم تفوا بما عقدتم من التأكيد، فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، وإنما أثق بالله تعالى. { فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين } أي: يعلم حالي، وأرجو أن يرحمني، فيحفظه ويرده علي، وكأنه في هذا الكلام قد لان لإرساله معهم. ثم إنهم { ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم } هذا دليل على أنه قد كان معلوما عندهم أن يوسف قد ردها عليهم بالقصد، وأنه أراد أن يملكهم إياها، ف { قالوا } لأبيهم - ترغيبا في إرسال أخيهم معهم -: { يأبانا ما نبغي } أي: أي شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل، حيث وفى لنا الكيل، ورد علينا بضاعتنا على الوجه الحسن، المتضمن للإخلاص ومكارم الأخلاق؟.

{ هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا } أي: إذا ذهبنا بأخينا صار سببا لكيله لنا، فمرنا أهلنا، وأتينا لهم، بما هم مضطرون إليه من القوت، { ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير } بإرساله معنا، فإنه يكيل لكل واحد حمل بعير، { ذلك كيل يسير } أي: سهل لا ينالك ضرر، لأن المدة لا تطول، والمصلحة قد تبينت. ف { قال } لهم يعقوب: { لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله } أي: عهدا ثقيلا وتحلفون بالله { لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } أي: إلا أن يأتيكم أمر لا قبل لكم به، ولا تقدرون دفعه، { فلمآ آتوه موثقهم } على ما قال وأراد { قال الله على ما نقول وكيل } أي: تكفينا شهادته علينا وحفظه وكفاءته. ثم لما أرسله معهم وصاهم إذا هم قدموا مصر، أن { لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } وذلك أنه خاف عليهم العين، لكثرتهم وبهاء منظرهم، لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب. { و } إلا ف { ومآ أغني عنكم من الله من شيء } فالمقدر لا بد أن يكون، { إن الحكم إلا لله } أي: القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بد أن يقع، { عليه توكلت } أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصيتكم به من السبب، { وعليه فليتوكل المتوكلون } فإن بالتوكل يحصل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب. { ولما } ذهبوا و { دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان } ذلك الفعل { يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد، فحصل له في ذلك نوع طمأنينة، وقضاء لما في خاطره. وليس هذا قصورا في علمه، فإنه من الرسل الكرام والعلماء الربانيين، ولهذا قال عنه: { وإنه لذو علم } أي: لصاحب علم عظيم { لما علمناه } أي: لتعليمنا إياه، لا بحوله وقوته أدركه، بل بفضل الله وتعليمه، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } عواقب الأمور ودقائق الأشياء وكذلك أهل العلم منهم، يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثير.

الصفحة السابقة الصفحة التالية