شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الرعد: الآيات 2-4

يخبر تعالى عن انفراده بالخلق والتدبير، والعظمة والسلطان الدال على أنه وحده المعبود، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، فقال: { الله الذي رفع السموت } على عظمها واتساعها بقدرته العظيمة، { بغير عمد ترونها } أي: ليس لها عمد من تحتها، فإنه لو كان لها عمد، لرأيتموها، { ثم } بعد ما خلق السماوات والأرض { استوى على العرش } العظيم الذي هو أعلى المخلوقات، استواء يليق بجلاله ويناسب كماله. { وسخر الشمس والقمر } لمصالح العباد ومصالح مواشيهم وثمارهم، { كل } من الشمس والقمر { يجري } بتدبير العزيز العليم، { لأجل مسمى } بسير منتظم، لا يفتران ولا ينيان، حتى يجيء الأجل المسمى وهو طي الله هذا العالم، ونقلهم إلى الدار الآخرة التي هي دار القرار، فعند ذلك يطوي الله السماوات، ويبدلها، ويغير الأرض ويبدلها. فتكور الشمس والقمر، ويجمع بينهما، فيلقيان في النار، ليرى من عبدهما أنهما غير أهل للعبادة فيتحسر بذلك أشد الحسرة، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. وقوله { يدبر الأمر يفصل الآيات } هذا جمع بين الخلق والأمر، أي: قد استوى الله العظيم على سرير الملك، يدبر الأمور في العالم العلوي والسفلي، فيخلق ويرزق، ويغني ويفقر، ويرفع أقواما ويضع آخرين، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقيل العثرات، ويفرج الكربات، وينفذ الأقدار في أوقاتها التي سبق بها علمه، وجرى بها قلمه، ويرسل ملائكته الكرام لتدبير ما جعلهم على تدبيره. وينزل الكتب الإلهية على رسله، ويبين ما يحتاج إليه العباد من الشرائع والأوامر والنواهي، ويفصلها غاية التفصيل ببيانها وإيضاحها وتمييزها، { لعلكم } بسبب ما أخرج لكم من الآيات الأفقية، والآيات القرآنية، { بلقآء ربكم توقنون } فإن كثرة الأدلة وبيانها ووضوحها، من أسباب حصول اليقين في جميع الأمور الإلهية، خصوصا في العقائد الكبار، كالبعث والنشور والإخراج من القبور. وأيضا فقد علم أن الله تعالى حكيم لا يخلق الخلق سدى، ولا يتركهم عبثا، فكما أنه أرسل رسله وأنزل كتبه لأمر العباد ونهيهم، فلا بد أن ينقلهم إلى دار يحل فيها جزاؤه، فيجازي المحسنين بأحسن الجزاء، ويجازي المسيئين بإساءتهم. { وهو الذي مد الأرض } أي: خلقها للعباد، ووسعها وبارك فيها ومهدها للعباد، وأودع فيها من مصالحهم ما أودع، { وجعل فيها رواسى } أي: جبالا عظاما، لئلا تميد بالخلق، فإنه لولا الجبال لمادت بأهلها، لأنها على تيار ماء، لا ثبوت لها ولا استقرار إلا بالجبال الرواسي، التي جعلها الله أوتادا لها. { و } جعل فيها { أنهارا } تسقي الآدميين وبهائمهم وحروثهم، فأخرج بها من الأشجار والزروع والثمار خيرا كثيرا ولهذا قال: { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } أي: صنفين مما يحتاج إليه العباد. { يغشى اليل النهار } فتظلم الآفاق، فيسكن كل حيوان إلى مأواه، ويستريحون من التعب والنصب في النهار، ثم إذا قضوا مأربهم من النوم، غشي النهار الليل، فإذا هم مصبحون منتشرون في مصالحهم وأعمالهم في النهار.

ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون

[القصص: 73]. { إن في ذلك لآيات } على المطالب الإلهية { لقوم يتفكرون } فيها، وينظرون فيها نظر اعتبار دالة على أن الذي خلقها ودبرها وصرفها، هو الله الذي لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، وأنه عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، وأنه القادر على كل شيء، الحكيم في كل شيء المحمود على ما خلقه وأمر به تبارك وتعالى. ومن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته، أن جعل { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات } فيها أنواع الأشجار { من أعناب وزرع ونخيل } وغير ذلك، والنخيل التي بعضها { صنوان } أي: عدة أشجار في أصل واحد، { وغير صنوان } بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع { يسقى بمآء واحد } وأرضه واحدة { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } لونا، وطعما، ونفعا، ولذة فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير، والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء وهذه تمسك الماء، ولا تنبت الكلأ، وهذه تنبت الزروع والأشجار، ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة، وهذه مرة، وهذه بين ذلك. فهل هذا التنوع في ذاتها وطبيعتها؟ أم ذلك تقدير العزيز الرحيم؟ { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لقوم لهم عقول تهديهم إلى ما ينفعهم، وتقودهم إلى ما يرشدهم ويعقلون عن الله وصاياه وأوامره ونواهيه، وأما أهل الإعراض، وأهل البلادة فهم في ظلماتهم يعمهون، وفي غيهم يترددون، لا يهتدون إلى ربهم سبيلا ولا يعون له قيلا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية