تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة ابراهيم: الآيات 9-12
يقول تعالى مخوفا عباده ما أحله بالأمم المكذبة حين جاءتهم الرسل، فكذبوهم، فعاقبهم بالعقاب العاجل الذي رآه الناس وسمعوه فقال: { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود } وقد ذكر الله قصصهم في كتابه وبسطها، { والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } من كثرتهم وكون أخبارهم اندرست. فهؤلاء كلهم { جآءتهم رسلهم بالبينت } أي: بالأدلة الدالة على صدق ما جاؤوا به، فلم يرسل الله رسولا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فحين أتتهم رسلهم بالبينات لم ينقادوا لها بل استكبروا عنها، { فردوا أيديهم في أفوههم } أي: لم يؤمنوا بما جاؤوا به، ولم يتفوهوا بشيء مما يدل على الإيمان كقوله
يجعلون أصبعهم في آذانهم من الصوعق حذر الموت
[البقرة: 19]. { وقالوا } صريحا لرسلهم: { إنا كفرنا بمآ أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه مريب } أي: موقع في الريبة، وقد كذبوا في ذلك وظلموا. ولهذا { قالت } لهم { رسلهم أفي الله شك } أي: فإنه أظهر الأشياء وأجلاها، فمن شك في الله { فاطر السموت والأرض } الذي وجود الأشياء مستند إلى وجوده، لم يكن عنده ثقة بشيء من المعلومات، حتى الأمور المحسوسة، ولهذا خاطبتهم الرسل خطاب من لا يشك فيه ولا يصلح الريب فيه { يدعوكم } إلى منافعكم ومصالحكم { ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي: ليثيبكم على الاستجابة لدعوته بالثواب العاجل والآجل، فلم يدعكم لينتفع بعبادتكم، بل النفع عائد إليكم. فردوا على رسلهم رد السفهاء الجاهلين { قالوا } لهم: { إن أنتم إلا بشر مثلنا } أي: فكيف تفضلوننا بالنبوة والرسالة، { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا } فكيف نترك رأي الآباء وسيرتهم لرأيكم؟ وكيف نطيعكم وأنتم بشر مثلنا؟ { فأتونا بسلطان مبين } أي: بحجة وبينة ظاهرة، ومرادهم بينة يقترحونها هم، وإلا فقد تقدم أن رسلهم جاءتهم بالبينات. { قالت لهم رسلهم } مجيبين عن اقتراحهم واعتراضهم: { إن نحن إلا بشر مثلكم } أي: صحيح وحقيقة، أنا بشر مثلكم، { ولكن } ليس في ذلك ما يدفع ما جئنا به من الحق، فإن { الله يمن على من يشآء من عباده } فإذا من الله علينا بوحيه ورسالته، فذلك فضله وإحسانه، وليس لأحد أن يحجر على الله فضله ويمنعه من تفضله. فانظروا ما جئناكم به، فإن كان حقا فاقبلوه، وإن كان غير ذلك فردوه ولا تجعلوا حالنا حجة لكم على رد ما جئناكم به، وقولكم: { فأتونا بسلطان مبين } فإن هذا ليس بأيدينا، وليس لنا من الأمر شيء. { وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } فهو الذي إن شاء جاءكم به، وإن شاء لم يأتكم به، وهو لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته ورحمته، { وعلى الله } لا على غيره { فليتوكل المؤمنون } فيعتمدون عليه في جلب مصالحهم ودفع مضارهم، لعلمهم بتمام كفايته وكمال قدرته، وعميم إحسانه، ويثقون به في تيسير ذلك، وبحسب ما معهم من الإيمان يكون توكلهم.
فعلم بهذا وجوب التوكل، وأنه من لوازم الإيمان، ومن العبادات الكبار التي يحبها الله ويرضاها، لتوقف سائر العبادات عليه، { وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا }. أي: أي شيء يمنعنا من التوكل على الله، والحال أننا على الحق والهدى، ومن كان على الحق والهدى، فإن هداه يوجب له تمام التوكل، وكذلك ما يعلم من أن الله متكفل بمعونة المهتدي وكفايته، يدعو إلى ذلك، بخلاف من لم يكن على الحق والهدى، فإنه ليس ضامنا على الله، فإن حاله مناقضة لحال المتوكل. وفي هذا كالإشارة من الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم، بآية عظيمة، وهو أن قومهم - في الغالب - لهم القهر والغلبة عليهم، فتحدتهم رسلهم بأنهم متوكلون على الله، في دفع كيدكم ومكركم، وجازمون بكفايته إياهم، وقد كفاهم الله شرهم مع حرصهم على إتلافهم وإطفاء ما معهم من الحق، فيكون هذا كقول نوح لقومه:
يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركآءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون
الآيات [يونس: 71]. وقول هود عليه السلام قال:
إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون
[هود: 54-55]. { ولنصبرن على مآ آذيتمونا } أي ولنستمرن على دعوتكم ووعظكم وتذكيركم، ولا نبالي بما يأتينا منكم من الأذى، فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى، احتسابا للأجر، ونصحا لكم، لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير. { وعلى الله } وحده لا على غيره { فليتوكل المتوكلون } فإن التوكل عليه مفتاح لكل خير. واعلم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام توكلهم في أعلى المطالب وأشرف المراتب، وهو التوكل على الله في إقامة دينه ونصره، وهداية عبيده، وإزالة الضلال عنهم، وهذا أكمل ما يكون من التوكل.
