تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة النحل: الآيات 114-118
يأمر تعالى عباده بأكل ما رزقهم الله من الحيوانات والحبوب والثمار وغيرها. { حللا طيبا } أي: حالة كونها متصفة بهذين الوصفين، بحيث لا تكون مما حرم الله، أو أثرا عن غصب ونحوه. فتمتعوا بما خلق الله لكم من غير إسراف ولا تعد. { واشكروا نعمت الله } بالاعتراف بها بالقلب، والثناء على الله بها، وصرفها في طاعة الله. { إن كنتم إياه تعبدون } أي: إن كنتم مخلصين له العبادة، فلا تشكروا إلا إياه، ولا تنسوا المنعم. { إنما حرم عليكم } الأشياء المضرة تنزيها لكم، وذلك: ك { الميتة } ويدخل في ذلك كل ما كان موته على غير ذكاة مشروعة، ويستثنى من ذلك، ميتة الجراد والسمك. { والدم } المسفوح، وأما ما يبقى في العروق واللحم فلا يضر. { ولحم الخنزير } لقذارته وخبثه، وذلك شامل للحمه وشحمه وجميع أجزائه. { ومآ أهل لغير الله به } كالذي يذبح للأصنام والقبور ونحوها، لأنه مقصود به الشرك. { فمن اضطر } إلى شيء من المحرمات - بأن حملته الضرورة، وخاف إن لم يأكل أن يهلك - فلا جناح عليه إذا لم يكن باغيا أو عاديا، أي: إذا لم يرد أكل المحرم، وهو غير مضطر، ولا متعد الحلال إلى الحرام، أو متجاوز لما زاد على قدر الضرورة، فهذا الذي حرمه الله من المباحات. { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } أي: لا تحرموا وتحللوا من تلقاء أنفسكم، كذبا وافتراء على الله وتقولا عليه. { لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا بد أن يظهر الله خزيهم وإن تمتعوا في الدنيا، فإنه { متاع قليل } ومصيرهم إلى النار { ولهم عذاب أليم }. فالله تعالى ما حرم علينا إلا الخبيثات، تفضلا منه، وصيانة عن كل مستقذر. وأما الذين هادوا فحرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بسبب ظلمهم عقوبة لهم، كما قصه في سورة الأنعام في قوله:
وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصدقون
[الأنعام: 146].
