تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة طه: الآيات 42-46
لما امتن الله على موسى بما امتن به، من النعم الدينية والدنيوية قال له: { اذهب أنت وأخوك } هارون { بآياتي } أي: الآيات التي مني، الدالة على الحق وحسنه، وقبح الباطل، كاليد، والعصا ونحوها، في تسع آيات إلى فرعون وملئه، { ولا تنيا في ذكري } أي: لا تفترا، ولا تكسلا عن مداومة ذكري بل استمرا عليه، والزماه كما وعدتما بذلك
كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا
[طه: 33-34] فإن ذكر الله فيه معونة على جميع الأمور، يسهلها، ويخفف حملها. { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى } أي: جاوز الحد، في كفره وطغيانه، وظلمه وعدوانه. { فقولا له قولا لينا } أي: سهلا لطيفا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف، ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال، { لعله } بسبب القول اللين { يتذكر } ما ينفعه فيأتيه، { أو يخشى } ما يضره فيتركه، فإن القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه، وقد فسر القول اللين في قوله:
فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى
[النازعات: 18-19] فإن في هذا الكلام، من لطف القول وسهولته، وعدم بشاعته، ما لا يخفى على المتأمل، فإنه أتى ب " هل " الدالة على العرض والمشاورة، التي لا يشمئز منها أحد، ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس، التي أصلها التطهر من الشرك، الذي يقبله كل عقل سليم، ولم يقل " أزكيك " بل قال " تزكى " أنت بنفسك، ثم دعاه إلى سبيل ربه، الذي رباه، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، التي ينبغي مقابلتها بشكرها، وذكرها فقال:
وأهديك إلى ربك فتخشى
[النازعات: 19] فلما لم يقبل هذا الكلام اللين الذي يأخذ حسنه بالقلوب، علم أنه لا ينجع فيه تذكير، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ } أي: يبادرنا بالعقوبة والإيقاع بنا قبل أن تبلغه رسالاتك، ونقيم عليه الحجة { أو أن يطغى } أي: يتمرد عن الحق، ويطغى بملكه وسلطانه وجنده وأعوانه، { قال لا تخافآ } أن يفرط عليكما { إنني معكمآ أسمع وأرى } أي: أنتما بحفظي ورعايتي، أسمع أقوالكما، وأرى جميع أحوالكما، فلا تخافا منه، فزال الخوف عنهما، واطمأنت قلوبهما بوعد ربهما.
