تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الأنبياء: الآيات 51-73
وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم
[العنكبوت: 26] ومن بركة الشام، أن كثيرا من الأنبياء كانوا فيها، وأن الله اختارها مهاجرا لخليله، وفيها أحد بيوته الثلاثة المقدسة، وهو بيت المقدس. { ووهبنا له } حين اعتزل قومه { إسحاق ويعقوب } ابن إسحاق { نافلة } بعدما كبر، وكانت زوجته عاقرا، فبشرته الملائكة بإسحاق،
ومن ورآء إسحاق يعقوب
[هود: 71] ويعقوب هو إسرائيل، الذي كانت منه الأمة العظيمة، وإسماعيل بن إبراهيم، الذي كانت منه الأمة الفاضلة العربية، ومن ذريته، سيد الأولين والآخرين. { وكلا } من إبراهيم وإسحاق ويعقوب { جعلنا صالحين } أي: قائمين بحقوقه وحقوق عباده، ومن صلاحهم، أنه جعلهم أئمة يهدون بأمره، وهذا من أكبر نعم الله على عبده أن يكون إماما يهتدي به المهتدون، ويمشي خلفه السالكون، وذلك لما صبروا، وكانوا بآيات الله يوقنون. وقوله: { يهدون بأمرنا } أي: يهدون الناس بديننا، لا يأمرون بأهواء أنفسهم، بل بأمر الله ودينه، واتباع مرضاته، ولا يكون العبد إماما حتى يدعو إلى أمر الله. { وأوحينآ إليهم فعل الخيرات } يفعلونها ويدعون الناس إليها، وهذا شامل لجميع الخيرات، من حقوق الله وحقوق العباد. { وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة } هذا من باب عطف الخاص على العام، لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ولأن من كملهما كما أمر، كان قائما بدينه، ومن ضيعهما، كان لما سواهما أضيع، ولأن الصلاة أفضل الأعمال، التي فيها حقه، والزكاة أفضل الأعمال، التي فيها الإحسان لخلقه. { وكانوا لنا } أي: لا لغيرنا { عابدين } أي: مديمين على العبادات القلبية والقولية والبدنية في أكثر أوقاتهم، فاستحقوا أن تكون العبادة وصفهم، فاتصفوا بما أمر الله به الخلق، وخلقهم لأجله.
