شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا يوجد الكثير منَ المذاهِب الإسلاميَّة معَ أنَّ القرآن واحد؟

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

السبب الرابع: الاختلاف في نَوع الدليل: هل يُحتَج به أم لا؟ وهذا السببُ أوجَب كثيرًا منَ الخلاف، وذلك كعمَل أهل المدينة، وهو حجَّةٌ عند مالكٍ فعَمِل بمُقتضاه، وليس حجَّةً عند غيره، فلم يَعمَلوا به، وكالقياس، وهو حُجَّة عند الجمهور، فعمِلوا به، وليس حُجَّة عند الظاهريَّة فلم يَعمَلوا به.

السبب الخامس: الاختلافُ في قاعدةٍ منَ الأصول يَنبَني عليها الاختلافُ في الفروع، كحمْل المُطلَق على المُقيَّد، وشِبه ذلك.

السبب السادس: الاختلافُ في القراءات في القرآنِ، فيأخُذ مُجتهِدٌ بقراءة، ويَأخُذ غيرُه بأُخرى، كقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6]، قُرئ بالنصب فاقتَضى غَسلَ الرجْلَيْن؛ لعَطفه على الأيدي، وقُرئ بالخَفْض فاقتَضى مسحَهما؛ لعَطفه على الرؤوس، إلا أنْ يُتَأوَّل على غير ذلك. قال الطوفي: (واعلم أن الرافضة أكثر ما يتعرضون بأهل السنة في هذه المسألة، لقوة شبههم من الكتاب والسنة فيها) ( [8] ) .

السبب السابع: الاختلاف في الرِّواية في ألفاظ الحديث، كقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاة أُمِّه» رواه أبو داود والترمذي وصححه وغيرهم.

فقد رُويَ لَفظ «ذكاة» الثاني بالرفع، فأخَذ بمعناه مالكٌ والشافعيُّ، وبالنصْب فأخَذ بمعناه أبو حَنيفةَ، وبنى كل واحد منهم حكما بحسب فهمه.

السبب الثامن: اختلاف وجْه الإعراب مع اتِّفاق القُرَّاء في الرِّواية، مثل قوله عليه السلام: «أكلُ كلِّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ فأكلُه حَرامٌ» رواه مسلم، فبعضُهم جعَل الأكلَ مَصدرًا مُضافًا إلى المفعول، فحرَّم أكلَ السباع، وبعضُهم جعَله مُضافًا إلى الفاعل، بمعنى قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} [المائدة: 3]، فأجاز أكْلَ السِّباع.

السبب التاسع: كَوْن اللفظِ مُشتَرَكًا بيْن مَعنيَين فأكثرَ، فأخَذ بعضُ المُجتَهِدين بمعنًى، وغيرُه بمعنًى، كقوله تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فحَمَلها مالكٌ والشافعيُّ على الأطْهار، وأبو حَنيفةَ على الحَيْض؛ لاشتراك اللفظ بين المَعنَيَين.

السبب العاشر: الاختلاف في حمْل اللفظ على العموم أوِ الخُصوص، مثل قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23]؛ هل يُحمَل على الزوجات والمملوكات، أو على الزوجات خاصَّةً؟

السبب الحادي عَشرَ: الاختلاف في حمْل اللفظ على الحقيقة أو على المَجاز.

والسبب الثاني عَشرَ: الاختلاف هل في الكلام مُضمَرٌ أم لا؟ كقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، فحَمَله الجمهورُ على إضمارِ (فأفْطَر)، خلافًا للظاهريَّة.

السبب الثالث عَشرَ: الاختلاف هلِ الحُكم منسوخٌ أم لا؟ وهذا أوجَبَ كثيرًا منَ الخلاف.

السبب الرابع عَشرَ: الاختلاف في حمْل الأمر على الوجوب أو على النَّدْب؟ وهذا أيضًا أوجَبَ كثيرًا منَ الخلاف.

السبب الخامس عَشرَ: الاختلاف في حمْل النهي على التحريمِ أو على الكراهة.

السبب السادس عَشرَ: الاختلاف في فِعل النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هل يُحمَل على الوجوب، أو على النَّدْب، أو الإباحة؟

فهذه (16) سببًا للاختلاف بين الفقهاء، ذكَرها بعضُ أهل العلم ( [9] ) ، ولم نستطرد في شرحها والتمثيل عليها، فإن المقصود بيان أن جميعَ هذه الأسباب عند التأمُّل لا يدُل على طعْن في الدين الإسلامي، ولا في حَمَلتِه ونَقَلَته.

وخلاصة القول:

أن الاختلاف بين العلماء ليس متعلِّقًا بأسباب ترجِع إلى تناقُض في النصِّ نفْسه، وإنَّما ترجِع إلى أسباب أُخرى، كعدَم بُلوغ الدليل، أوِ الاختلاف في قاعدة أُصوليَّة في فَهْمه، ونحو ذلك.

وقد أرجع بعض المعاصرين جميع تلك الأسباب إلى ثلاث: أسباب تعود إلى اللغة، وأسباب تعود إلى رواية السنن، وأسباب تعود إلى القواعد الأصولية وضوابط الاستنباط.

ثم إنَّ ثمَّةَ أصولًا للمسائل العِلمية والعمليَّة في دِين الإسلام، لا يسوغ الاختلافُ فيها، بل أجمَع عليها الصحابة والتابِعون، والمُخالِف فيها مُبتَدِع.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــ

(المراجع)

([1]) «الإبانة الكبرى» (2/ 521).

([2]) «روضة الطالبين» (10/ 220).

([3]) «الاستقامة» لابن تيمية (1/ 31).

([4]) «الإبانة الكبرى» لابن بطة (2/ 557-558).

([5]) «الإخنائية» (ص: 214-215).

([6]) «منهاج السنة النبوية» (6/ 52).

([7]) كثرت الدراسات المعاصرة والرسائل العلمية التي أُفردت في دراسةِ سببٍ من أسباب اختلاف الفقهاء أو أكثر، وها هنا إشارة لبعضها: «نظرية التعقيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء» محمد الروكي، «أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء» مصطفى سعيد الخن، «أثر اللغة في اختلاف المجتهدين» عبد الوهاب طويلة، «أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي» مصطفى ديب البغا، «أثر التعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله في اختلاف الفقهاء» الحسن بن علي الكوم، «أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء» ماهر ياسين الفحل، «أسباب اختلاف الفقهاء» عبد الله التركي، «الألفاظ المدرجة في أحاديث الكتب الستة وأثر ذلك في اختلاف الأئمة الأربعة: دراسة حديثية فقهية» عزت الجرحي.

وأما الكتب المتقدمة فأشهرها رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، ورسالة الولي الدهلوي «الإنصاف لمعرفة أسباب الخلاف». والعلم عند الله.

([8]) «الصعقة الغضبية» (ص: 427).

([9]) «تقريب الوصول» لابن جزي (ص: 142-151).

الصفحة السابقة