” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
مقام النفي : وإن قيل : أنها غير متصفة بالحياة ؛ يقال : هذا تناقض ، لأن من شرط العلم والقدرة والإرادة أنها تقوم بالحي ، أما غير الحي فلا يمكن أن يوصف بمجموع هذه الصفات .
فلو قيل : الكمبيوتر غير حي ومع ذلك قام به علم .
الجواب : جهاز الكمبيوتر آلة صنعها الإنسان ” لتخزين المعلومات ” التي يريدها الإنسان ، والإنسان هو الذي يقوم بتشغيله ، وإطفائه ، وبرمجته حسب ما يريد ، ويقوم بإصلاح أعطاله ، والإنسان هو الذي يودع ويخزن فيه المعلومات ، فهو تحت تحكم الإنسان بالكلية ولا يتصف بإرادة مستقلة ولا يمكن أن يقال عنه أنه عالم فهو آلة تخزين .
والقوة التي صنعت الكون لا يمكن أن يودع فيها أحد معلومات ، لأنه لا أحد أعلم منها وإلا وقعنا في التسلسل الممنوع .
مثال آخر : هذا الكتاب هو مجموعة أوراق مكتوب عليها معلومات فهل يصح أن يقال عنه : الكتاب عالم ؟! أو الورقة عالمة ؟! قطعا لا يصح .
إذاً نصل إلى نتيجة هامة من هذا السؤال وهي : أن صانع هذه الكون متصف بالحياة الكاملة .
السؤال السادس : هل هذه القوة التي صنعت البشر أعطتهم حرية وإرادة أم لا ؟
لدينا احتمالان في الجواب إما الإثبات أو النفي كما يلي :
مقام الإثبات : فإن قيل : أعطتهم حرية وإرادة ؛ فإنه يلزم منه اتصافها بالعلم والوعي والإرادة ، حيث أنها عرفت معنى الحرية ونقيضها وهو الجبر فاختارت بإرادتها وبناء على علمها ومعرفتها : أن تعطي البشر حرية وإرادة .
فلو قيل : أنها أعطت البشر حرية وإرادة رغما عنها ؟
الجواب يقال : من الذي أرغمها ؟! فإنه لا يوجد قوة أعلى منها !
فلو قيل : أعطت البشر حرية وإرادة لأنها لا تعرف التدبير ؟
الجواب : عبر النقاط الآتية :
1 ـ هذا الاعتراض فيه اعتراف بأن لها إرادة ، فإنها لما علمت من نفسها ” أنها لا تستطيع تدبير شؤونهم ” اختارت أن تعطي المصنوعات الحرية ، فاختيارها يدل على اتصافها بصفة الإرادة .
2 ـ هذا الاعتراض فيه اعتراف بأن لها علم من ناحيتين :
أ ـ معرفتها بحقيقة نفسها وكمية العلم الذي لديها ، فمجرد إدراكها لنفسها يدل على أنها تتصف بالوعي.
ب ـ معرفتها بأن ثمة أمور سوف تحصل مستقبلا وإن كانت لا تعرف آحادها ، ولهذا اختارت أن تعطي البشر حرية وإرادة .
ج ـ معرفتها بالاختيارات التي أمامها : إما أن تعطي البشر حرية وإرادة ، أو تجعلهم مجبورين مجرد هذا الإدراك منها لهذين المسارين ” الحرية أو الجبر ” يدل على أنها تتصف بالوعي .
فلو قيل : أنها أعطت البشر حرية وإرادة صدفة منها ؟
الجواب كما يلي :
1 ـ أن يقال : فهل تستطيع التراجع عن قرارها هذا أم لا ؟
فإن قيل : تستطيع التراجع لكنها لم تفعل ؛ فهذا دليل على إرادتها و معرفتها وعلمها ووعيها بالخيار الثاني وهو ” الجبر ” ، وأنها كذلك تعلم وتعي قرارها بإعطائها البشر حرية وإرادة .
وإن قيل : لا تستطيع التراجع ؛ يقال إذاً : من الذي منعها من التراجع عن هذا القرار ؟ مع أنه لا يوجد قوة أعلى منها !
2 ـ معامل الصدفة ممنوع ؛ لأنه ثمة أمور تجري باختيارنا وإرادتنا ، وأمور ليس لنا فيها خيار ، فرفع اليد والكلام ونحوها باختيارنا ، أما حركة القلب والمعدة وعمل النخاع ونحوها ليس لنا فيه خيار البتة .
فهذا التفريق المنضبط في كل أحد يدل على أن صانع البشر متصف بـ”العلم والإرادة” ، فهو يعلم الأمور التي يصلح أن يعطينا فيها الخيار والأمور التي لا يصلح أن يعطينا الخيار فيها .
مقام النفي : وإن قيل : أنها لم تعطهم حرية وإرادة بل جعلت البشر مجبورين ؛ يلزم من ذلك أمور خطيرة منها عدم مؤاخذة المجرم بجريمته لأنه مجبور عليها ! ويلزم منه بطلان الإلحاد في نفسه أيضا وهو : أن الملحد مجبور على اختياره للإلحاد فكيف يمكننا تصديق أبحاث وكتابات شخص مجبور لا يملك الإرادة في تقرير ما يريد ؟!
إذاً نخرج بنتيجة هامة من هذا السؤال وهي :
أن هذه القوة التي صنعت البشر أعطتهم “حرية وإرادة ” ، وهذا يدل على اتصافها بـ ” بالعلم والقدرة والإرادة ” .
وبعد هذه الأسئلة وهذا التسلسل المنطقي السليم نصل إلى نتيجة عقلية واضحة وهي أن خالق هذا الكون : متصف بالكمال المطلق لذاته ، ومن جملة كمالاته علمه الكامل وإرادته النافذة جل وعلا .
فالإنسان الحريص على مصلحة نفسه عليه أن يقف وقفة صدق مع نفسه بعيدا عن المكابرة والتحايل وأن يعترف بالحقيقة ويسلم لفطرته ولما يدل عليه العقل الصريح لينجو من ظلمات الإلحاد والكفر ويدخل في نور الإيمان والإسلام .
والله جل وعلا يقبل توبة التائبين الصادقين قال سبحانه” أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ “[سورة التوبة:104] وقال جل وعلا و”َهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ”[سورة الشورى:25] ، وقال سبحانه:” وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ”[سورة الأعراف:153] بل إنه تعالى يحب التائبين المنيبين قال سبحانه: إ”ِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ”[سورة البقرة:222] .
فالباب مفتوح أمام كل أحد ليتوب ويرجع إلى الله سبحانه ما دام الإنسان في زمن المهلة والإمكان ، فخذ هذا الأمر بجدٍّ ياصاح ، وإياك والتأجيل والاستهتار فلن ينفعك أحد إن تماديت في العتو والمكابرة .
ليس الأمر دوغمائية وتعطيلا للعقل ، بل قد رأيت بنفسك أن العقل الصريح ليس أمامه إلا أن يعترف بالله جل في علاه ، فبادر الفرصة وقاوم أصحاب السوء واستعن بالله جل وعلا وعد إلى رشدك وستجد من الله العون واللطف ما لا يخطر لك على بال .