شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صيد الخاطر

ابن الجوزي • التزكية والرقائق • ج1 ص130

دار القلم - دمشق

النصارى حين رأوا إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام، فتأملوا الفعل الخارق للعادة، الذي لا يصلح للبشر، فنسبوا الفاعل إلى الإلهية. ولو تأملوا ذاته1، لعلموا أنها مركبة على النقائص والحاجات، وهذا القدر يكفي في عدم صلاح إلهيته، فيتعلم حينئذ أن ما جرى على يديه فعل غيره.

360-

وقد يؤثر ذلك في الفروع، مثل ما روي أنه فرض على النصارى صوم شهر، فزادوا عشرين يوما، ثم جعلوه في فصل من السنة بآرائهم، ومن هذا الجنس تخبيط اليهود في الأصول والفروع.

361-

وقد قارب الضلال في أمتنا هذه المسالك، وإن كان عمومهم قد حفظ من الشرك والشك والخلاف الظاهر الشنيع؛ لأنهم أعقل الأمم وأفهمها، غير أن الشيطان قارب بهم، ولم يطمع في إغراقهم، وإن كان قد أغرق بعضهم في بحار الضلال.

362-

فمن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بكتاب عزيز من الله عز وجل، قيل في صفته: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] ، وبين ما عساه يشكل2 مما يحتاج إلى بيانه بسنته، كما قيل له: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ، فقال بعد البيان: "تركتكم على بيضاء نقية"3. فجاء أقوام فلم يقنعوا بتبيينه، ولم يرضوا بطريقة أصحابه، فبحثوا، ثم انقسموا: فمنهم من تعرض لما تعب الشرع4 في إثباته في القلوب فمحاه منها، فإن القرآن والحديث يثبتان الإله -عز وجل- بأوصاف تقرر وجوده في النفوس، كقوله تعالى: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] ، وقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة:64] ، وقوله تعالى: {ولتصنع على عيني} [طه: 39] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ينزل الله إلى السماء الدنيا"، " ويبسط يده لمسيء الليل والنهار"5، و "يضحك"، و "يغضب"6، وكل هذه الأشياء -وإن كان ظاهرها يوجب تخايل

الصفحة السابقة الصفحة التالية