شرح العقيدة الطحاوية
ابن أبي العز الحنفي • العقيدة والتوحيد • ج1 ص106
تحقيق: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين الألباني — دار السلام للطباعة والنشر التوزيع والترجمة (عن مطبوعة المكتب الإسلامي)
المراتب الثلاثة التي لا بد منها في كل خطاب
...
فينبغي أن يعرف هذه الدرجات: أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة. وثانيها: عقله لمعانيها الكلية. وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية. فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب, فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة, ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك. وإذا تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط.
قوله: "ولا شيء يعجزه".
ش: لكمال قدرته, قال تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20]. {وكان الله على كل شيء مقتدرا} [الكهف: 45]. {وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا} [سورة فاطر: 44]. {وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم} [البقرة: 255]. "لا يئوده" أي: لا يكرثه1 ولا يثقله ولا يعجزه, فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49]، لكمال عدله. {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} [سورة سبإ: 3]، لكمال علمه. وقوله تعالى: {وما مسنا من لغوب} [ق: 38]، لكمال قدرته. {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] لكمال حياته وقيوميته. {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103]، لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا ترى أن قول الشاعر:
قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله "قبيلة" علم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم, وقول الآخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
