شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شفاء العليل

ابن قيم الجوزية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص160

تحقيق: - — دار المعرفة، بيروت، لبنان

ما أصبت وكسبت وعملت كقوله: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} وكقوله: {من يعمل سوءا يجز به} : {ومن يكسب خطيئة أو إثما} وقول المذنب التائب يا رسول الله أصبت ذنبا فأقم علي كتاب الله ولا يقال في هذا أصابك ذنب وأصابتك سيئة وما يفعل به بغير اختياره يقال فيه أصابك كقوله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقوله: {وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل} وقوله: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} فجمع الله في الآية بين ما أصابوا بفعلهم وكسبهم وما أصابهم مما ليس فعلا لهم وقوله: {ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} وقوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} وقوله: {فأصابتكم مصيبة الموت} فقوله: {ما أصابك من حسنة} هو من هذا القسم الذي يصيبه العبد لا باختياره وهذا إجماع من السلف في تفسير هذه الآية، قال أبو العالية: "وإن تصبكم حسنة هذا في السراء وإن تصبهم سيئة هذ في الضراء"، قال السدي: "الحسنة الخصب تنتج مواشيهم وأنعامهم ويحسن حالهم فتلد نساؤهم الغلمان قالوا هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة قال الضر في أموالهم تشاءموا بمحمد وقالوا هذه من عنده قالوا بتركنا ديننا وإتباعنا محمدا أصابنا ما أصابنا فأنزل الله سبحانه ردا عليهم قل كل من عند الله الحسنة والسيئة" وقال الوالبي عن ابن عباس ما أصابك من حسنة فمن الله قال ما فتح الله عليك يوم بدر وقال أيضا هو الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه يوم أحد شج في وجهه وكسرت رباعيته وقال أما الحسنة فأنعم الله بها عليك وأما السيئة فابتلاك بها وقال أيضا ما أصابك من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس: "إن تصبك حسنة الخصب وإن تصبك سيئة الجدب والبلاء" وقال ابن قتيبة في هذه الآية: "الحسنة النعمة والسيئة البلية" فإن قيل فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي عن أبي العالية أنه فسر الحسنة والسيئة في هذه الآية بالطاعة والمعصية وهو من أعلم التابعين فالجواب أنه لم يذكر بذلك إسنادا ولا نعلم صحته عن أبي العالية وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي العالية ما تقدم حكايته أن ذلك في السراء والضراء وهذا هو المعروف عن أبي العالية ولم يذكر ابن أبي حاتم عنه غيره وهو الذي حكاه ابن قتيبة عنه وقد يقال أن المعنيين جميعا مرادان باعتبار أن ما يوفقه الله من الطاعات فهو نعمة في حقه أصابته من الله كما قال: {وما بكم من نعمة فمن الله} فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا وما يقع منه من المعصية فهو مصيبة أصابته من الله وإن كان سببها منه والذي يوضح ذلك أن الله سبحانه إذا جعل السيئة هي الجزاء على المعصية من نفس العبد بقوله: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه فلا منافاة بين أن تكون سيئة العمل من نفسه وسيئة الجزاء من نفسه ولا ينافي ذلك أن يكون الجميع من الله قضاء وقدرا ولكن هو من الله عدل وحكمة ومصلحة وحسن ومن العبد سيئة وقبيح وقد وري عن ابن عباس أنه كان يقرأها: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وأنا قدرتها عليك وهذه القراءة زيادة بيان وإلا فقد دل قوله قبل ذلك: {قل كل من عند الله} على السابق القضاء والقدر النافذ والمعاصي قد تكون بعضها عقوبة بعض فيكون لله على المعصية عقوبتان عقوبة بمعصية تتولد منها وتكون الأولى سببا فيها وعقوبة بمؤلم يكون جزاؤها كما في الحديث المتفق على صحته عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية