شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شفاء العليل

ابن قيم الجوزية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص194

تحقيق: - — دار المعرفة، بيروت، لبنان

فصل: النوع الثالث الإتيان بكي الصريحة في التعليل كقوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} فعلل سبحانه تسمية الفيء بين هذه الأصناف كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء والأقوياء دون الضعفاء وقوله سبحانه: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} فأخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع وهو الأحسن ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه وأنه يسير عليه وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته ولا بد قد كتبت قبل خلقهم هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه ولم يفرحوا بالحاصل لعلهم أن المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل خلقه ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته أو حصول مكروه أو خوف حصوله نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله وعلى فوته حيث لم يحصل ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع وهذه هي أنواع المصائب فإذا تيقن العبد أنها مكتوبة مقدرة وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه هانت عليه وخف حملها وأنزلها منزلة الحر والبرد.

فصل: النوع الرابع ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلل به كقوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة} ونصب ذلك على المفعول له أحسن من غيره كما صرح به في قوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} وفي قوله: {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} فإتمام النعمة هو الرحمة وقوله: {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين} وقوله: {ولقد يسرنا القرآن للذكر} أي لأجل الذكر كما قال: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} وقوله فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا أي للإعذار والإنذار وقوله: {ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} فهذا كله مفعول لأجله وقوله: {أنا صببنا الماء صبا} إلى قوله: {متاعا لكم ولأنعامكم} والمتاع واقع موقع التمتيع كما يقع السلام موقع التسليم والعطاء موضع الإعطاء وأما قوله: {ريكم البرق خوفا وطمعا} فيحتمل أن يكون من ذلك أي إخافة لكم وإطماعا وهو أحسن ويحتمل أن يكون معمول فعل محذوف أي فيرونهما خوفا وطمعا فيكونان حالا وقوله: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها} إلى قوله: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} أي لأجل التبصرة والذكرى والفرق بينهما أن التبصرة توجب العلم والمعرفة والذكرى توجب الإنابة والانقياد وبهما تتم الهداية.

فصل: النوع الخامس الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلا لما قبله كقوله: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} وقوله أن: {تقول نفس يا حسرتى} وقوله: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} ونظائره وفي ذلك طريقان أحدهما للكوفيين والمعنى لئلا تقولوا ولئلا تقول نفس والثاني للبصريين أن المفعول له محذوف أي كراهة أن تقولوا أو حذار أن تقولوا فإن قيل كيف يستقيم الطريقان في قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} فإنك إن

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية