شفاء العليل
ابن قيم الجوزية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص39
تحقيق: - — دار المعرفة، بيروت، لبنان
الباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة
وقد تقدم في أول الكتاب ما دل على ذلك من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة فنذكر هنا بعض ما لم نذكره قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين} فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود والذكر أم الكتاب الذي عند الله والأرض الدنيا وعباده الصالحون أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هذا أصح الأقوال في هذه الآية وهي علم من أعلام نبوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم وشتتوهم في أطراف الأرض فأخبرهم ربهم تبارك وتعالى أنه كتب في الذكر الأول إنهم يرثون الأرض من الكفار ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله والكتاب قد أطلق عليه الذكر في قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء" وكتب في الذكر كل شيء فهذا هو الذكر الذي كتب فيه أن الدنيا تصير لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم والكتب المنزلة قد أطلق عليه الزبر في قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر} أي أرسلناهم بالآيات الواضحات والكتب التي فيها الهدى والنور والذكر ههنا الكتابان اللذان أنزلا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما التوراة والإنجيل والذكر في قوله: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} هو القرآن ففي هذه الآية علمه بما كان قبل كونه وكتابته له بعد علمه وقال تعالى: {إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم
#