السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية
شيخ الإسلام ابن تيمية • السياسة الشرعية • ج1 ص17
وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
عبيدة كان لينا كأبي بكر؛ وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه؛ ليكون أمره معتدلا، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو معتدل؛ حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة» . وقال: «أنا الضحوك القتال» . وأمته وسط قال الله تعالى فيهم: {أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} [الفتح: 29] (سورة الفتح: من الآية 29) . وقال تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] (سورة المائدة: من الآية 54) . ولهذا لما تولى أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- صارا كاملين في الولاية، واعتدل منهما ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، من لين أحدهما وشدة الآخر، حتى قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» . وظهر من أبي بكر من شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم: ما برز به علي عمر وسائر الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين. وإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد، قدم الأمين؛ مثل حفظ الأموال ونحوها؛ فأما استخراجها وحفظها، فلا بد فيه من قوة وأمانة، فيولى عليها شاد قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أهل العلم والدين جمع بين المصلحتين، وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد؛ فلا بد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى، إذا لم تقع الكفاية بواحد تام. ويقدم في ولاية القضاء: الأعلم الأورع الأكفأ؛ فإن كان أحدهما أعلم،
#
