مواعظ رمضان... (الدعوة إلى الله) (16)
الشيخ سعيد محمود • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران:104) ، وقال -تعالى-: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) (آل عمران:110) ، وقال -تعالى-: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (فصلت:33) .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا ) (رواه البخاري) .
أخي... إن النصوص المتقدمة كلها تدل على وجوب الدعوة إلى الله في مجتمعات المسلمين، والتي بسببها يكون لهم الخيرية والفلاح والنجاح والرفعة، وأن في غيابها غياب لهذه الفضائل والتعرض للهلكة والضياع.
أخي... -اعلم رحمني الله وإياك- أن الله قد أوجب الدعوة إليه لثلاثة مقاصد عظيمة:
المقصد الأول: عذر الداعي، يعني: أن تعذر أمام الله يوم القيامة.
المقصد الثاني: عودة الناس إلى ربهم.
المقصد الثالث: النجاة مِن عذاب الله الواقع للعصاة في الدنيا.
ولعل مِن أعظم ما يبين هذه المقاصد العظيمة قصة أصحاب السبت التي ذكرها الله -تعالى- في كتابه، فقال -عز وجل-: ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ . وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (الأعراف:163ـ 167) .
واعلم -أخي رحمني الله وإياك-: أن الدعوة إلى الله هي أشرف وظيفة يعملها الإنسان، فهي وظيفة أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل، قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ) (النحل:36) .
واعلم... أن الأمة شريكة لرسولها -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة والإرشاد: قال الله -تعالى- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- ليبلغ أمته: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف:108) .
ولا عليك -أخي- مما يقوله المبطلون ويلقونه مِن شبهات على طريق دعوتك... فإن قالوا لكَ: إنها وظيفة رجال الدين المعينين!
فقل لهم: إن كلامكم مردود مِن وجهين:
الأول: أن ذلك دين النصارى المحرَّف، فإن أحبارهم ورهبانهم قد جعلوا أنفسهم وسائط بيْن الناس وبين ربهم؛ أحالهم بينهم وبين الله، يبتغون عرض الحياة الدنيا.
الثاني: أن ذلك ينافي الاتباع الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ).
وقل لهم ناصحًا: لماذا لا تكونون أنتم رجال هذا الدين فتحملونه للخلق؟!
وإن قالوا لكَ: أليس الله يقول: ( عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) (المائدة:105) ، يريدون مِن ذلك تأويلها على الامتناع عن الدعوة إلى الله؛ بحجة ضلال الناس؟!
فقل لهم: هذا فهم خاطئ، ردَّه صديق الأمة يوم قاله أناس مثلكم، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنكم تقرؤونَ هذهِ الآيَة وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا: ( يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
وإن قالوا لكَ: لا فائدة، الباطل كثير وينتشر!
فقل لهم: أنتم مأمورون بالدعوة إلى الله، سواء آمن الناس أم لم يؤمنوا؛ قال الله -تعالى-: ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ . لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) (الغاشية:21-22) ، وقالت الرسل لأقوامهم: ( وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (يس:17) .
وإن قالوا لك: الدعوة إلى الله مشقة، والله يقول: ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) (البقرة:286) .
فقل لهم: الجواب على ذلك مِن وجوه:
الأول: هذا هو طريق الجنة، قال الله -تعالى-: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:142) .
الثاني: ألا تعلمون أن دعاة التنصير يطوفون العالم بالشهور، ومعلوم الفرق في الأجر، قال الله -تعالى-: ( إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ) (النساء:104) .
الثالث: أين أنتَ مِن أصحاب نبيك -صلى الله عليه وسلم- ودعوتهم إلى الله، والأمثلة كثيرة، ومِن أشهرهم: مصعب بن عمير -رضي الله عنه-، أول داعي مِن قِبَل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى خارج مكة.
وقل لهم ناصحًا: إن أكثر مَن يقولون ذلك، يبذلون المشاق والصعاب لتحصيل ملذات دنيوية؛ فأي الأمرين أشرف؟ وأي الأمرين أحق بالاهتمام والتحمُّل؟!
ويا أخي -الداعي إلى الله-.. أسوق إليك في ختام حديثي بشرى عظيمة مِن كلام سيد الدعاة وأشرفهم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى معلم النَّاس الْخَيْر ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
فاللهم اجعلنا هداة مهتدين، ودعاة عاملين، وردَّ الناس إلى دينك مردًّا جميلاً.