شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مواعظ رمضان (أعمال القلوب... الخوف) (25)

الشيخ سعيد محمود • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تعريف الخوف:

كلمة الخوف تدل على الذعر والفزع في اللغة العربية.

قال ابن قدامة -رحمه الله-: "اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل، مثال ذلك: مَن جنى على مَلِك جنايةٍ، ثم وقع في يده فهو يخاف القتل، ويجوز العفو، فالخوف: مطالعة القلوب لعظيم عقاب الله ونقمته ممن عصاه، فيتولد في القلب الخوف".

أخي... -اعلم رحمني الله وإياك-: أن الله قد أوجب على عباده الخوف منه، قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (آل عمران:175) ، وقال -تعالى-: ( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (البقرة:40) .

- وامتدح الله أهل الخوف، فقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (المؤمنون:57-61) .

- قال الحسن -رحمه الله-: "عمِلوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم".

- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) (المؤمنون:60) ، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: ( لا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لا تُقْبَلَ مِنْهُمْ ( أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (المؤمنون:61) " (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- وجعل الله التخويف مِن عذابه أحد مهمات الرسل: قال الله -تعالى-: ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) (الأنعام:48) ، وجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- قومه على الصفا وقال: ( أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ ) قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: ( فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) (متفق عليه) .

واعلم -رحمني الله وإياك- أن للخوف ثمراتٍ عظيمة في الدنيا والآخرة، منها:

1- أنه مِن أسباب التمكين في الأرض، وزياد الإيمان والطمأنينة: قال الله -تعالى-: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) (إبراهيم:13-14) .

2- يَبْعث على العمل الصالح والإخلاص فيه: قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ) (الإنسان:9-10) ، وقال -تعالى-: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) (النور:36) .

3- يجعل الإنسان في ظل عرش الرحمن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) (متفق عليه) .

4- من أسباب المغفرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ ) وفي رواية قال: ( مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ ) (رواه البخاري ومسلم) .

4- طريق إلى الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) (الرحمن:46) .

5- أمان يوم القيامة: قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: ( وَعِزَّتِي لا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن صحيح) .

6- يقمع الشهوات: قال الله -تعالى-: ( يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (النحل:50) .

7- يجلب الرضا من الله: قال -تعالى-: ( رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) (البينة:8) .

مِن أحوال الخائفين:

رُوي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما نزل قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (التحريم:6) ، قرأها النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم على أصحابه؛ فخر فتى مغشيًا عليه، فوضع النبي -صلى الله عليه وسلم- يده على فؤاده، فإذا هو يتحرك، فقال: "يا فتى، قل: لا إله إلا الله، فقالها، فبشره بالجنة، فقالوا: أمن بيننا يا رسول الله؟ قال" أوَما سمعتم قوله -تعالى-: ( ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ )" (رواه الحاكم، وضعفه الألباني) .

منهج العبادة بيْن الخوف والرجاء:

أخي... اعلم كذلك أن العبادة الصحيحة لا بد فيها مِن اجتماع الخوف والرجاء، فكما أن العبادة لا تصلح بالرجاء وحده، كذلك لا تصلح بالخوف وحده، عن أنس -رضي الله عنه- قال: دخل النَّبِي عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ: ( كَيْفَ تجدك؟ ) قَالَ: أرْجُو اللهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني) .

فاللهم اجعل لنا مِن خشيتك ما يحول بيننا وبيْن معاصيك، ومِن طاعتك ما تبلغنا به جنتك.