عذر مَن لم تبلغه الدعوة ومؤاخذة مَن بلغته فأبى واستكبر (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
أما هل وقع ذلك فعلاً فقد لا يكون كذلك، والذين يعاقبون ويستحقون النار هم مَن بلغهم هذا الدين ولم يؤمنوا به، يقول الله -سبحانه وتعالى-: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) أي: لأنذر به مَن بلغه، حتى ولو لم يرني ولم يشافهني فيه، فمن بلغه القرآن فهو منذر به، إذن القرآن بين أيدينا فيجب أن نبلغه إلى الناس كافة، فإذا بلغ إليهم القرآن قامت عليهم الحجة، ومن لم يبلغ إليهم القرآن لا تقوم عليهم حجة ويصبح حالهم مشابهًا لحال أهل الفترة، وهم الذين سبقوا عهد الرسالة، والله -سبحانه وتعالى- يقول: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً )، ويقول: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ ) (الملك:8-9) ، فالله -سبحانه وتعالى- أرسل الرسل؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، والشخص الذي لم يُبلغ فهذا لا تقوم عليه الحجة، إنما الحجة تكون قائمة وتامة وبالغة ( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) (الأنعام:149) ، إذا بلغت الرسالة ولم يؤمن بها، إما تعصبًا أو إعراضًا عنها، أو بغضًا لها، أو كفرًا بها وجحدًا، كما قال -سبحانه وتعالى-: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) (النمل:14) ، جحدوا بالآيات مع أن النفوس مستيقنة والبواطن ترى الحقيقة بصائر، لكنهم يعمون عنها أبصارهم ( يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ) (هود:5) ، لا يريدون أن يروا الحقيقة، وقد يكون كثير مِن الكفار الآن في هذا الوضع، قد يكون بعضهم قد استبصر، أي: ظهرت له الحقائق، ولكنه ألِف العادة، ولمحبته الرئاسة ولبغض المسلمين يعلوه التعصب وتغشاه عماية الضلالة؛ فيعرض عن التدبر في كتاب الله، فهذا الإعراض عن التدبر مع إمكانه والإعراض عن الرسالة مع القدرة على التعرف عليها صاحبه لا شك سيكون معاقبًا ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) (آل عمران:19) ، ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) .
طبعًا التعبد في الدنيا هو تعايش، ولا يكره أحد على دينه ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (البقرة:256) ، وهذا هو موقفنا وهو خطاب هنا ودعوة هناك، ولكن ليس معنى ذلك أن يكون الحق متعددًا، وكل مَن يؤمن بشيء فالحق عنده واحد، فالحق هو هذا الدين الذي هو الدين الخاتم، وهو الدين المهيمن على الديانات الأخرى. هذا باختصار هو جواب هذا السؤال".
5- بيان أن واجبنا إبلاغ الحق إلى الخلق وإزالة ما يعرض لهم مِن شبهات:
يرى بعض الأفاضل أن القول بعذر بعض الأوربيين مِن باب أن الدعوة لم تبلغهم أو بلغتهم مشوهة قد يساهِم في إعطاء انطباع جيدٍ عن الإسلام، وإزالة الصورة الذهنية التي ارتبطت به نتيجة جرائم "داعش" وغيرها، وهي نية حسنة، ولكن تحتاج إلى مراجعة على أكثر مِن صعيد:
الأول: الالتزام بما ورد في الكتاب والسُّنة بفهم سلف الأمة في حدود العذر بعدم البلاغ، والفرق بينه وبين كفر الجحود وكفر الإباء والاستكبار.
الثاني: تعظيم القرآن المعجزة الخالدة للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
الثالث: فرض أنهم لم تبلغهم الدعوة يعني أنهم لن يبلغهم مثل هذا الكلام، وإذا كان سيصلهم كلامنا؛ فالأولى أن يصل كلام في بيان معالم الدعوة التي تدفعهم إلى التفكر والتأمل الذي يقودهم إلى الإيمان، وفي الواقع فإن مثل هذا الكلام لن يصل إلا إلى معاندين؛ فيزيدهم غرورًا، ويمنون به أنفسهم أنهم ناجون أو غير مؤاخذين عند الله.
الرابع: عذر مَن لم تبلغه الدعوة يتضمن أمرين:
أ- في الحرب بدؤه بالدعوة قبْل القتال واجبة، بخلاف مَن بلغته الدعوة؛ فإن دعوته إليها قبْل القتال مستحبة.
ب- أنه ناج يوم القيامة على مذهب الأشاعرة أو على الصحيح مِن عقيدة أهل السُّنة أنه مِن أهل البلاء والاختبار يوم القيامة.
والنقطة الثانية هي مِن أفعال الله وليست حكمًا تكليفيًّا للعباد، وليس علينا إلا اعتقاد هذه العقيدة في الجملة وإن لم نحقق مناطها في بعض الأشخاص.
والنقطة الأولى: الواقع الآن عدم جريان قتال، ويبقى أن نسعى إلى أن ندعوهم، وأن نبيِّن لهم عظمة القرآن، وإعجاز القرآن، وفطرية التوحيد ودلائل صدق محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومعالم كمال شريعته، وما أثبتته التجارب مِن شمولها ووسطيتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
وفي النهاية: أرجو أن يكون هذا العرض لهذه المسألة، والذي حرصتُ على أن أضمنه أقوال بعض العلماء ممن لا يُحسبون على التيار السلفي حيث يتصور كثير مِن الناس أن كثيرًا مِن قضايا الدين هي مما انفرد به "السلفيون"؛ فيخالف فيها بكل "أريحية!" في حين أنك تجد أن هذه المسائل موجودة في فقه الأئمة، وموجودة في كلام كثير مِن علماء الأزهر، بل ويقول بها بعض مَن يشار إليهم كممثلين للوسطية والاعتدال في زماننا.
نسأل الله أن يرينا الحق حقـًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسًا علينا فنضل، وأن يجعلنا للمتقين إمامًا.