شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفرق بين الحكم والفتوى وتطبيقاته على واقعنا السياسي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

3- معظم أحكام ديار الإسلام وديار الكفر.

4- يدخل فيه عند ابن تيمية -رحمه الله- ومَن وافقه اختلاف الحكم على طلاق الثلاث في المجلس الواحد، وكذا حكم طواف الحائض إذا خشيتْ على نفسها الفتنة متى تخلفتْ عن الرَّكْب.

ومما سبق يتبين أهمية البصيرة في دين الله، وأهمية معرفة الأحكام بأدلتها، وهو ما يتيح معرفة تفصيل حكم الله في كافة المسائل؛ لا سيما تلك التي تتشابه ظاهريًّا، ولكن ثمة فروق مؤثرة بينها.

4- تنبيه حول مصطلح الثوابت والمتغيرات:

قررنا فيما مضى أن الأحكام ثابتة بينما الفتاوى تتغير تبعًا لتغير الأحوال، فهل يمكن أن نطلق مصطلح: "الثوابت والمتغيرات"، ونعني به: "الأحكام والفتاوى".

في الواقع، ورغم تسليمنا بقاعدة: "لا مشاح في الاصطلاح"؛ إلا أننا لا نفضِّل استعمال هذا الاصطلاح، ونفضل عليه ما اصطلح عليه السلف مِن التنبيه على تغير الفتوى بتغير الواقع.

وهذا لسببين:

الأول: أن في اصطلاح الثوابت والمتغيرات إيحاء بالتغير المطلق، بخلاف وصف الفتوى بالتغير؛ لأنه يتضمن الإحالة على الحكم الثابت "لأن الفتوى بحكم تعريفها هي تطبيق لحكم على واقع".

الثاني: أن مصطلح "الثوابت والمتغيرات" قد شاع في استعمال بعض المتأخرين، ويعنون بالثوابت: "مسائل الإجماع"، ويعنون بالمتغيرات: "مسائل الخلاف" ويقيده بعضهم بالسائغ، وهو مصطلح فيه نوع من التعسف اللغوي، وفيه إشعار بالتهاون فيما عدا مسائل الإجماع وعدها من المتغيرات "بينما عامتها من الثوابت" عند أصحابها، وإن كانوا يتحملون الأقوال المخالفة طالما لم تصادم نصًّا من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جلي.

5- الفرق بين تغير الحكم وتغير الاجتهاد:

يجب أن ننتبه أنَّ ما قررناه آنفًا مِن ثبات الأحكام الشرعية إنما نعني به ثباتها في حقيقة الأمر؛ لأن شرع الله قد تم، والرسالة قد ختمتْ بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ولا مجال لنسخ ولا تبديل، ولكن قد يحدث لبعض الناس أن يتغير اجتهاده في مسألة ما فيكون ما أخبر عنه أنه حكم الله في أول الأمر هو بحسب ما أداه إليه اجتهاده، ثم يكون قوله الثاني لكونه رأى بمزيد علم أو اطلاع أو إعادة نظر في الأدلة أن حكم الله في المسألة هو كذا... وهذا ليس من باب تغير الفتوى بتغير أحوالها.

- ومن أمثلة هذا: المراجعات التي قام بها بعض المتكلمين: كالأشعري، والغزالي، ومن أمثلتها المعاصرة: "المراجعات" التي قامتْ بها الجماعة الإسلامية في مصر.

- ومن الجدير بالذكر: أن كثيرًا ما يُذكر المذهب الجديد للشافعي كمثال لتغير الفتوى بتغير الواقع، وإن كان عامتها راجع لتغير الاجتهاد في الحكم نتيجة للاطلاع على مزيد من الأدلة أو إعادة بحث المسألة؛ وبناء عليه وبدون الإخلال بما قررنا من ثبات الأحكام الشرعية في حد ذاتها، فإن تغير اجتهاد أي شخص أو جماعة في "موقف عملي ما" يمكن أن يعود إلى أحد هذه الاحتمالات:

الأول: تغير الفتوى لتغير الواقع بأن يكون اجتهاده في المسألة كحكم كما هو، بينما يكون الواقع قد تغير بالفعل؛ مما اقتضى إعادة بحث المسألة على ضوء مستجدات الواقع.

الثاني: تغير الفتوى لتغير الاجتهاد في تقدير الواقع، بأن يكون اجتهاده في المسألة كحكم كما هو، ولكنه أعاد تقييم الواقع.

الثالث: تغير الفتوى نتيجة تغير الاجتهاد في المسألة كحكم.

وبلا شك فإن النوع الأول طبيعي، وأنه هو الأصل أن يكون لكل واقع فتوى تتناسب معه، ولكنه قد يبدو مستغربًا أحيانًا حينما يستقر واقع ما لمدة طويلة ثم يتغير الواقع، فتتغير الفتوى، وأما النوع الثاني والثالث: فمن الأمانة لمن تبين له خطأ اجتهاده سواء كان في تقييم الواقع أو كان في استنباط الحكم أن يقوم بهذه المراجعات، ولكن من الطبيعي أن يأخذ هذا حظه من الدراسة وتوضيح الفرق بيْن القول القديم والقول الجديد، وما يتعلق منها بتغيير الاجتهاد في الحكم "لا سيما في المسائل التي كانت هناك قناعة أنها من الأمور التي تمثِّل مَعْلمًا من معالم السنة".

- وبهذا الصدد نود أن نؤكِّد أن: المواقف العملية التي تم اتخاذها بعد "25 يناير" عامتها راجع إلى تغير الفتوى نتيجة تغير الواقع، وقليل منها راجع إلى إعادة تقييم الواقع أو مزيد علم به، ولا يكاد يوجد ما هو راجع إلى تغير الاجتهاد في هذه الأمور كأحكام.

وقد تناولنا معظمها في مقالات أخرى، ولعلنا نفصِّل في بعضها في مقالة قادمة -إن شاء الله تعالى-.

الصفحة السابقة