شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس مِن قصة إبراهيم -عليه السلام- (4) قصة بناء البيت العتيق

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

قصة بناء البيت العتيق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

ـ تذكير بما وقفنا عليه في المرة الأخيرة في موعظة: ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى )، وإشارة إلى ما تبقـَّى مِن القصة، وهي أحداث أعظم الكلمات التي اُبتلي بها إبراهيم -عليه السلام-، وهي قصة بناء البيت العتيق.

ـ تكريم الخليل -عليه السلام- في ختام حياته ببناء البيت واقتران اسمه به: قال الله -تعالى-: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (آل عمران:96-97) .

(1) قصة بناء البيت:

- تبدأ قصة بناء البيت بحلول الأسرة الصغيرة المباركة عند مكان البيت، ثم بدعوة مباركة مِن إبراهيم -عليه السلام- تَغيَّر بها وجه الأرض: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم:37) .

- نزول المَلك بأول آية مِن آيات البيت "بئر زمزم" والتبشير بإقامة البيت: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ ) (رواه البخاري) .

- حلول قبيلة جرهم العربية، ونزولهم في جوار أم إسماعيل -عليهما السلام-، وتعلم إسماعيل -عليه السلام- منهم العربية وزواجه مِن نسائهم: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم:37) .

- إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- يبنيان البيت العتيق: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلاً لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ وَالوَلَدُ بِالوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولاَنِ: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) (البقرة:127) ، قَالَ: فَجَعَلاَ يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولاَنِ: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) (رواه البخاري) .

دروس وفوائد:

- عظم شرف هذا البناء العظيم الذي اختار الله مكانه، ورفعه إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-.

- جعل الله بناء البيت على يد رجلين "نبيين" دون تدخل مِن بقية الناس مع مشقة ذلك عليهما؛ لئلا يكون للناس على بيت الله فضل يتنازعونه على حساب الدين.

- عدم الاغترار بالأعمال الصالحة: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) (البقرة:127) .

- جعله الله في بقعة وعرة مِن الأرض اختبارًا للإخلاص: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً ) (إبراهيم:37) .

- أهمية الدعاء في حياة المسلم "دعاء إبراهيم -عليه السلام- قبْل وأثناء وبعد البناء": ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم:37) ، ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة:126-127) ، ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) (إبراهيم:35) .

(2) أول حج للعالمين:

- الله -تعالى- يأمر إبراهيم بدعوة الناس في أنحاء الأرض للحج والزيارة لهذا البيت: ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (الحج:27) .

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "نادِ في الناس داعيًا للحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذُكِر أنه قال: يا رب، وكيف أبلـِّغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقيل: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم اتخذ بيتًا فحجوه" اهـ .

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "قام إبراهيم على الحَجَر، فقال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج، فأسمَع مَن في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه مَن آمن، ومَن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك".

- وقفات مع الدعوة التي حوَّلت وجه الأرض:

الصفحة التالية